مدى قدرة مواقع التواصل الإجتماعي في التأثير على المشهد

مدى قدرة مواقع التواصل الإجتماعي في التأثير على المشهد

حسين عبدالظاهر – صحفي – يوما بعد الآخر تثبت مواقع التواصل الاجتماعي قدرتها على التأثير في نواحى شتى من حياتنا، بما في ذلك التأثير على “متخذ القرار”، سواء كان مسؤولا في حكومة أو حزب سياسي أو حركة اجتماعية أو مؤسسة رياضية أو هيئة الفنية.. إلخ؛ فأصبح لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بما يمتلكون من أدوات متنوعة تتمتع بقدر كبير من الحرية وعدم الرقابة، قدرة على التأثير في المشهد، وتغير المجريات، سواء حدث هذا بترتيب مسبق بين هؤلاء النشطاء كأن تكون حملة منظمة مثلا، أو أن يأتي ذلك بشكل تلقائي يعبر للتعبر عن موقف ما، مع أو ضد قضية أو شخص.

الواقعة الأخيرة التي شغلت كثير من الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي في مصر والسعودية وبعض الدول العربية، والتي تمثلت في قرار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للرياضة في المملكة العربية السعودية، سحب استثماراته من مجال الرياضة في مصر بعد هجوم تعرض له من قبل جماهير النادي الأهلي، هذه القضية بكل تفاصيلها تكشف لنا حجم وقوة تأثير منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، ويمكن إجمال المشهد بتفاصيله في نقاط كاشفة:

* سبق وأن وقع كثير من الخلافات – على المستوى الرسمي – بين تركي آل الشيخ وإدارة النادي الأهلي المصري، تبادل خلالها الطرفان الاتهامات، وأصدرا البيانات وأطلقا التصريحات، بل وتقدما بدعاوى قضائية، إلا أن آل الشيخ لم يخرج من هذه المعارك منهزما أو مستسلما، بل على العكس كان يخرج دائما في ثوب المنتصر.

* ما حدث هذه المرة، هو معركة مع نشطاء في عالم افتراضي، وليس مع جهة معلومة ومحددة، والمعركة الحقيقية ليست مع “جمهور المدرجات”، لأنه منذ عشرات السنين وجماهير المدرجات في مختلف الملاعب تسب وتشتم أشخاص أو هيئات، ولم تحدث ردود فعل بهذا الحجم ممثلت في سحب استثمارات وإيقاف مشروعات. ما حدث هذه المرة ليس مجرد الهتافات، إنما الترويج لها ونشرها على نطاق واسع، والذي روّج ونشر وتبنى الحدث هم نشطاء العالم الافتراضي.

* هتافات السباب التي وجهتها جماهير النادي الأهلي – في مباراة الفريق مع نادي حوريا كوناكري الغيني في دور ربع نهائي لبطولة دوري أبطال أفريقيا – لم يكن لها ذات التأثير والانتشار لو لم يتم تصويرها بهواتف نقالة من داخل أرض الملعب – بعيدا عن الكاميرات التي تنقل المباراة- ثم يتم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي. تأثيرها هنا كان حاضرا؛ فالملايين شاهدوا المباراة عبر الشاشات ولم يلتفت أحد إلى أن هناك هتافات تحتوي على سب أو قذف؛ فجاء دور مواقع التواصل الاجتماعي لتكون وسيطا فعالا لنقل الرسالة – التي قد نختلف مع مضمونها أو الشتائم التي وردت فيها – ونشرها على أوسع نطاق، بل وأصبح لدى المتلقي القدرة على الاحتفاظ بها وإعادة نشرها وقتما يشاء، وهذا لم يكن متاحا من قبل مع وسائل الإعلام التقليدية ومن بينها الفضائيات التي تبث المباراة.

* الكثير من هؤلاء الجماهير هم نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينهم من صوروا ونشروا المقطع المسيء ولو لم يفعلوا ذلك، لما التفت أحد، بدليل أن الإعلامي مدحت شلبي الذي يعمل في قناة بيراميدز، أشاد في أعقاب المباراة بجمهور الأهلي، برغم أنه تعرض للسباب والإهانة، لماذا؟ لأنه لم يلتفت – مثلما لم يلتفت أحد ممن شاهدوا المباراة عبر الفضائيات – أن الجمهور يسبه هو وآل الشيخ، وعندما استمع مدحت شلبي للشتائم – مثلما استمع لها الملايين – بعد ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان له رد فعل مغاير تماما.

* الملاحظ أيضا أن أحمد حسن؛ المتحدث الرسمي لنادي بيراميدز، وجّه الاتهامات لمن أسماهم بـ”اللجان الإلكترونية” على الإنترنت؛ أي أن المعركة المباشرة لآل الشيخ وناديه مع نشطاء على الإنترنت، وهؤلاء هم من استطاعوا التأثير على الرجل وإعلانه سحب استثماراته من مجال الرياضة في مصر.

* والحقيقة أن المعركة بين آل الشيخ و”اللجان الإلكترونية” – كما يصفهم أحمد حسن – لم تكن وليدة مباراة حوريا كوناكري؛ بل كانت هناك جولات من الصراع بين الطرفين أخذت أشكالا عدة على منصات التواصل الاجتماعي، تمثلت في “تغريدات” من آل الشيخ في مرات سابقة، وصفت بالمستفزة، سواء بحق النادي الأهلي أو جماهيره أو بعض رموزه، أو حيانا بحق لاعبين في المنتخب المصري قبيل وأثناء نهائيات كأس العالم، في المقابل كان هؤلاء النشطاء يردون بتدشين أكثر من “وسم” ساخر من آل الشيخ مع نشر العديد من الرسومات والفيديوهات الساخرة أيضا؛ بل إن البعض قام بتأليف وتلحين أغنية لتركي آل الشيخ بعنوان “دلوعة ماما تركي..” تم إطلاقها على يوتيوب والعديد من منصات التواصل الاجتماعي الأخرى.

* لقياس مدى تأثير هذه الحملات في عالم الإنترنت، جرّب أن تكتب كلمة “شوال الرز” – اكتبها هكذا مثلما ينطقها المصريون بلهجتهم العامية – في محرك البحث جوجل، وانظر نتائج البحث في الصور؛ ستجد أول مائة صورة – تقريبا – صور لتركي آل الشيخ، سواء صور حقيقية، أو صور تم تركيبها بشكل ساخر، أو رسومات كاريكاتورية، وبعد المائة صورة الأولى، سيبدأ محرك البحث في استيعاب أن “شوال الرز” هذا قد يكون المقصود به شيء آخر غير “تركي آل الشيخ”؛ فيظهر أمامك صور “الأرز”، نعم “الأرز” الحقيقة الذي نعرفه ونأكله في بيوتنا وفي المطاعم، صور “الأرز” هذه تبدأ في الظهور وسط الكثير من صور تركي آل الشيخ.

خلاصة القول.. منصات التواصل الاجتماعي بنشطائها كان لها تأثير تراكمي واضح تصاعد مع الأزمة الأخيرة، بتبني الفيديو المسئ لآل الشيخ ونشره على نطاق واسع، الأمر الذي أجبر الأخير باعتباره صاحب القرار على التخلي عن استثماراته وإلغاء مشروعه الرياضي. بالمناسبة.. يمكن تكرار تجربة البحث في “جوجل صور” باستخدام كلمات أخرى مثل “الدب الداشر” أو “بلحة”.. في انتظار ما ستسفر عن نتائج بحثكم.

مقالات ذات صله