الأثر الإجتماعي في التواصل الإجتماعي

الأثر الإجتماعي في التواصل الإجتماعي

مراد بن محمد – صحفي – قبل مدة كنت أقرأ تأملات كتبها الدكتور صلاح رشيد في تفسير معنى قوله تعالى: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون) والتي نشرت على موقع الهيئة العالمية للكتاب والسنة، حيث يرجح المفسر أن المقصود ببيت العنكبوت ليس السكن وإنما أسرة العنكبوت التي ثبت حسب البحوث أنها أَوْهَى الأسر ترابطا وتآلفا، فالعلاقة الأسرية بين العناكب علاقة هشة تحكمها المصلحة حتى إذا انقضت انقلبوا أعداء يقتل بعضهم بعضا.

استوقفني هذا التفسير كثيرا.. تساءلت هل بيوت العناكب أكثر هشاشة من جميع المخلوقات بهذا المعنى وفي عصرنا الحالي؟.. كنت أرى أن من فضلهم الله بالعلم ينافسون الآن بعلمهم حياة العناكب من زاوية الفردية وغياب التآلف ووصول منسوب الحقد والعدائية بينهم درجات غير مسبوقة مستخدمين أفضل وأسرع ما أنتجه العقل البشري في نشر الألفاظ البذيئة والشتائم، فقد تغنيك نصف ساعة من متابعة ما يغرد به العقل البشري الآن عبر الشبكة العنكبوتية من آراء وتعليقات وما ينشره من فيديوهات وصور لتكتشف أننا نعيش فعلا حياة عناكب أو لعلنا سبقناها في تفكيك هويتنا وثوابتنا وبيوتنا ومجتمعاتنا وعلاقاتنا.

لقد تجاوزنا عزلة وفردية العناكب وعداءاتها بمراحل وأعلنا انتهاء عصر السمر واللقاءات والندوات، وأصبح كل حوار يجري إلكترونيا ثم يتحول بسرعة إلى حروب يتسابق فيها الجميع للوصول إلى القاع بعد أن تسقط جميع القيم والضوابط حتى بتنا نخاف أن تسقط علينا الشبكة التي ننسجها من حسابات وهمية ونحمل عليها تعليقات كاذبة وأخبار مفبركة وصور مختلسة وفيديوهات بذيئة.

الجميع هنا يغرد بحثا عن المزيد من التعليقات والإعجابات واستقطاب معجبين وعلينا أن نعترف بأنها طريق شاقة تكنولوجيًا؛ فعليك تعلًّم أساليب كثيرة للخداع اللفظي والبصري والتضليل، وهي إحدى أهم خصال العناكب لسرقة بعضها البعض، وعليك أيضا إجادة تقنيات الحيل والمكر إضافة لكونك طعانا بذيئا فاحشا.. ورويدا رويدا حتى يصير همك تحصيل المزيد من التعليقات ومن ثم تبدأ في التعامل مع الناس كما تتعامل مع التطبيقات في متجر جوجل وإن خسرت تطبيقا تعوضه بغيره بكسبة زر.. حتى أقاربك تراهم مجموعة من التطبيقات السخيفة التي تقدم النصائح القديمة وغير المحدثة.. وتطعن في التطبيقات جميعها ولا يعجبك غير تطبيقك وكل من يشبهك في المضمون يصبح عالة على المتجر لأنه قد يخطف منك علامات إعجاب أنت أولى بها.

تشعر في بعض الأحايين أن الأمر يعمل وفق تنظيم عالي الدقة.. فالمغردون يعملون بتفانٍ أكثر من مؤسسات الدول نفسها، لا يركنون للراحة أبدا وبينهم من تحسب أنه جزء من المنصات نفسها، فقد تجد من يرمي به القدر في مكان لا يصله من الخدمات بقدرة قادر إلا الإنترنت وكل همه النبش في المختلف فيه ومشاركة خصوصيات حياته وحياة الآخرين ذما أو تشكيكيا.. وبعضهم يظهر بصفة متواترة، يغلق باب غرفته ويفتح نافذة على العالم ينفخ منها سموم السباب واللعن والتخوين والتكفير وفي وقت يسري فيه فتيل النقاشات بين المتابعين يغلق هاتفه وينام تحضيرا لتحليل التعليقات في الصباح.

كيف لنا أن نفسر تغييرنا الجذري سريعا وكيف قُلبت حياتنا رأسا على عقب في سنوات قليلة؟ وكيف زاد منسوب الفردية والعدائية حتى داخل البيت الواحد؟.. لا أخفيكم.. أنني أعدت قراءة التفسير مرة جديدة لم أجد شبها آخر.. نعم هذه هي حياتنا نسخة مطابقة لحياة العناكب وأخلاق العنكبوت المسمى بالأرملة السوداء والتي تعرف بكونها عدوانية أو العنكبوت الذئب التي لا تختلف طبيعتها عن ذئاب بشرية كثيرة.. ليس هناك فرق غير أننا نستخدم منصات تكنولوجية لننسج علاقاتنا فيما بقيت هي على حالها الأول تنسج شبكتها يدويا.

القصة بدأت عندما حاولنا الإقلاع.. وحاربنا للهروب من المحلية وقاتلنا لتطوير شبكة أصدقائنا من غير محيطنا ومن بيئة مختلفة عنا، كنا نظن أنها ستفتح لنا آفاقا جديدة.. رحلة التجديد هذه نقلت حياتنا من الفراغ إلى الشاشة.. أصبحت لكل فرد منا قصة، وله قصص وله مشاهدون وقد يخدمه الواقع الفوضوي ويصبح أحد المشاهير فقد طغى واقع التداول والترند والأكثر مشاهدة وتعليقا حتى قلبت مفاهيم العلاقات والتأثر وفق أخلاق الترند لا أخلاق المجتمعات، كنا نحترم الكبير والمرأة والجيران ونتأثر بالمعلم والأستاذ والقاضي والطبيب.

أصبحت هذه المعايير من الماضي وأصبح شعار أصحاب الأكثر تداولا والمنشورات التي تثير الجدل والأكثر تمردا هي مقاييس التقدير والتأثير لدى فئات معينة بينها الأطفال.. نحن هنا لا نستهين بجهد المغردين وأعرف أنه ليس من السهل تداول فيديوهاتهم ومنشوراتهم فقد يكون هذا أصعب كثيرا من الحصول على الشهادات الجامعية نفسها.. فقط تصوروا أن تتخلى عن أخلاقك وعن تقاليدك وتتنكر لهويتك وأقاربك ودينك في بعض الأحيان وترقص عاريا مرة وتنتقد أهلك وحكومتك ورئيسك وكل شخصية قد تمثل رمزا لأحد من زاوية ما.. المهم أن تجعل من جميعهم مادة لمحتوى صفحتك وتكون مادة تحصد الإعجابات وتثير غبار التعليقات.. ومحتوى كهذا لم يتناسب حتى الآن إلا مع ما يضرب السائد وما يتناول عاداتنا وديننا وثقافتنا بشكل سطحي قد يصل في الفطرة الإنسانية في بعض الأحيان.

إنه أمر متعب جدا بالنسبة لهم وما يتعبنا نحن هي متابعة الحروب الافتراضية التي تتندر بقرى أو فئةة أو جماعة وتتذكر أن الهدف من استخدام هذه الوسائل كان لنقلنا من المحلية إلى العالمية فهوت بنا من سوء الاستخدام إلى غير مستقر.. وهي تجرنا وراءها لتفتيت نواة وجودنا الأول.. العائلة والمجتمع. المخيف أن ما يحدث ويتحول من تعليقات إلى معارك إلكترونية يتعالى فيها السباب ويتجرد فيها الجميع من كل قيم ويتقاذفون التهم وتتحول تقاليد المجتمع والهوية والثقافة والآباء والأمهات أسلحة يطعن بها أبناء الدين الواحد والمجتمع الواحد والثقافة الواحدة أنفسهم بعضهم عن وعي وآخرون للتسلية وغيرهم من المتفرجين.

الخطر ليس ما قيل ويقال عن ثوابتنا فقط.. بل إن ما يحصل ينقل مباشرة لجيل قادم جالس يفك شفرات كل شيء.. يتأثر بما يفهم ليشارك في بعض الحروب ويؤجل بعضها حتى تتوفر الأسلحة المناسبة.. جيل صادف أن وجد نفسه وجها لوجه مع القدر المفروض عبر الشاشات الصغيرة التي عوضت الأسرة والمدرسة في ظل غياب النصح ومراقبة العائلة وتنامي عزلتها وهجرها للحوار مع الأطفال الذي أصبحوا يتجولون في الفضاء الأزرق الرحب يبحثون عن بدائل مسلحين فقط بالقدرة على استخدام الإنترنت.

قبل فترة انتشر وسما “لا تجعلوا من التافهين أبطالا” كانت بداية لوضع حد أو التنبيه بخطر “التافهين الإلكترونيين” الذين يشبه الواحد منهم مروج الأسلحة والمخدرات معا يزودون الناس بقنابل “تطلق للخلف” تقتلهم من الداخل وتنمي فيهم خلق مبررات لما يفعلونه.. أرباب الأسر يبررون كل شيء لأنفسهم ولأبنائهم بعد فقدهم خيارات أخرى إذ أن مروج المخدرات والأسلحة استهدف الجميع وباتت حتى العائلة أسيرة لديها وخيارها الوحيد البحث عبر الفضاء الافتراضي في ظل غياب البديل التربوي الشامل وربط المشكل والحل بتصفح الإنترنت.

في الحقيقة كتبت هذا وقد يفهم البعض أني ألقي باللوم على التكنولوجيا.. ليس الأمر كذلك فعندي قناعة راسخة أنها ليست أكثر من وسيلة ولا تقود نفسها.. ولكن قائدها يحتاج فهم ضوابط سيرها جيدا والتعامل معها عكس دليل الاستخدام يصعب المهمة.. فالاستخدامات هي محور كل شيء فقد تكون خدمة ما مفيدة ولكن تحولها الاستخدامات إلى عكس مهمتها الأساسية وينتجون لها محتوى ويتداولونه فينقلب بفضل فوضى وسوء الاستخدام إلى نقمة.

وسيلة علاج الأمر ليست صعبة أو مكلفة بل تحتاج وعيا ينتج مناهج تربوية وفق نظام العيش الحالي وتسبق تطورات “سوق الحياة” بمراحل فتجهز الجميع للتعامل مع “الخداع” و”التضليل” وحملات الكذب والتشويه، لن نواجه كل هذا بعيدا عن الكتب والتعليم التي بفضلها صنعت التكنولوجيا ودونها لن نتمكن من مواجهة سلبياتها.. أما التعويل على مراقبة الأهل فقط فأراه خيارا قاصرا بالتأكيد فمتى لم تزرع في الأبناء والجيل القادم جهاز تعديل رقابيا ذاتيا يعيش فيه في السر كما في العلن لنعالج المشكلة من الجذور.. فالأبناء اليوم يتخفون كما العناكب ولسان حالهم يقول اعرفوا حساباتنا على منصات التواصل أولا ثم راقبونا!

مقالات ذات صله