هل فعلاً يجعلنا الإنترنت أكثر غباءً وضحالة؟

هل فعلاً يجعلنا الإنترنت أكثر غباءً وضحالة؟

نشر موقع Quartz مقالًا للكاتب نواه بيرلاتسكي يدافع فيه عن المطالعة السطحية للمقالات على الإنترنت في مقابل القراءة المتعمقة للمجلدات. ويناقش في ذلك ما تذكره بعض الكتب من أن الإنترنت يجعلنا أكثر غباءً وضحالة، فهل هذا صحيح؟ أم أن تلك المطالعة السطحية السريعة تجعلنا نلم بموضوعات أكثر سريعًا، فيتوفر لدينا وقت كاف كي نبدع في الكتابة عن تلك المواضيع:

في نهاية العام الماضي، نشر موقع سليت لائحة باسم “عام الغضب“، وهي سلسلة من المقالات التأملية في التمخض اللامتناهي للأخبار الإعلامية السطحية السريعة، وما تولده من غضب لدى الناس، حيث يرصد ردود أفعالهم على مواقع التواصل الاجتماعي عقب كل خبر.

أثارت هذه القائمة مرة أخرى الشكوك القديمة بأن الإنترنت تسبب في قصر فترات تركيزنا، وأنه يجعلنا أكثر عبثا وتفاهة وحماقة. فأحد مخاوفنا من الإنترنت تتمثل في أنه يسلبنا عمق التفكير، فيحولنا إلى مجرد حفنة من مهووسي الميمات البسيطة، وناقري روابط الإنترنت بهدف التصفح السريع. والميمات هي فكرة أو نمط أو سلوك ينتشر من شخص إلى آخر ضمن إطار الثقافة، وبمعنى آخر هي العبارات الشائعة والمتداولة بين العامة.

الإنترنت يجعلنا أغبياء سطحيين

وهذا بالتحديد ما ناقشه نيكولاس كير، وهو عالم بريطاني وأحد أشهر محللي عالم الإنترنت، قبل خمس سنوات في كتابه الساخر إلى حد كبير بعنوان “The Shallows” أو “السطحييون” حيث تبَدُّلِ العالم، وتمت إعادة برمجته ليصبح عالم جوجل عوضًا عن عالَم أديسون. ويرى كير أننا أصبحنا أكثر سطحية لدرجة مقلقة جدًا، إذ تشجعنا وسائل التواصل الاجتماعي على نشر المعرفة من خلال تغريدات لا تتجاوز الواحدة منها 140 عنصرًا، وبالتالي تحويل أي نسيج معقد من الأفكار إلى شذرات مبسطة سهلة الهضم والاستيعاب مثل: “lol” وهي اختصار لحالة من الضحك بصوت عالٍ على شيء، أو قول “U mad Carr?” وهو اختصار لسؤال هل أنت غاضب يا كير؟

يقول كير: “قديمًا، كان من السهل أن أنغمس في قراءة كتاب أو مقال طويل، لكن نادرًا ما يحدث هذا الآن، وعادةً يتشتت تركيزي بعد أول صفحتين أو ثلاث صفحات. أشعر بالملل ويضيق صدري، وينقطع حبل الأفكار، وأبدأ في البحث عن أي شيء آخر أفعله، القراءة العميقة التي اعتادت أن تأتي بشكل طبيعي سلس، أصبحت كفاحًا”. فالإنترنت غيَّر أدمغتنا، بحيث لم نعد نقرأ باستغراقٍ أو انهماك؛ فشبكة الإنترنت تجعلنا أغبياء.

«القراءة العميقة» ليست إلا خدعة!

أفترض أن تلك هي حجة نيكولاس كير في كتابه، ففي الحقيقة لم أقرأ كتابه من الأساس، بل مررت سريعًا على مقال كير المنشور على موقع ذا أتلانتيك والذي يعتمد بصورة أساسية على كتابه، وأخذت تلك الاقتباسات السابقة من المقال، وأفترض أيضًا أن كير سيرى ذلك الفشل الذريع في قراءتي أطروحته على أنه دليل دامغ على صحتها. أصبحت الآن المطالعة السطحية والملخصات منتشرة في كل مكان، لدرجة أن الناس لن تتحمل معاناة قراءة كتاب يدور حول مخاطر المطالعة السطحية والملخصات، ويتفق كير مع هذا آسفًا. أما على الجانب الآخر، يرى بيير بايارد أن رفضي قراءة كتاب يدور حول عزوف الناس عن القراءة، هو أمر مبرر تماما. بايارد هو عالم فرنسي اشتهر بفضل كتابه المستفز بعنوان “كيف تتحدث عن الكتب التي لم تقرأها ” How To Talk About Books You Haven’t Read“، الصادر عام 2007. يعد هذا الكتاب أفضل انعكاس لكتاب نيكولاس كير، يرى كير أننا مضغوطون مثقلون، فأعاد الإنترنت برمجتنا بضحالته المستحدثة. بينما يرى بايارد أننا خُدِعنا، وتم تضليلنا بالادعاء الأزلي بوجود ما يعرف بالقراءة العميقة.

في الحقيقة قرأت كتاب بايارد “How To Talk About Books You Haven’t Read”، وربما حسب تعريف بايارد نفسه لم أقرأه حقًا. يقارن كير القراءة العميقة بالقراءة السطحية والملخصات. بينما بدأ بايارد بالتشكيك في وجود ما يدعى بالقراءة العميقة أصلًا في أي وقت مضى.

يقول بايرن أنه كلما تقرأ كتابًا، فأنت بشكلٍ أو بآخر تقوم بالتصفح السريع السطحي، سواء قمت بذلك كثيرًا أم قليلًا. ويرى أن عددًا قليلًا جدًا من الناس يستوعب بالفعل كل كلمة وعبارة بنفس درجة عمق التركيز. بل يبدأ غالبية الناس في نسيان ما قرأ لحظة الانتهاء منه، وبالوصول لآخر صفحة من الكتاب، بالكاد يستطيع أحد التحدث بثقة وتمكُّن عما جاء في الصفحة الأولى. حتى لو كنتُ قرأت كتاب “The Shallows” قبل كتابة هذا المقال، هل حقًا كنت سأعرف أكثر مما أعرفه الآن، إذ لم أتكلف عناء قراءته فعليًا؟

قراءة الكتب الكثيرة لا تجعل منك مثقفًا

وهكذا، يبدو أننا لطالما كانت قراءتنا سطحية بشكل أو بآخر، وبينما يرى كير أن هذا الاكتشاف مقلق، يحتفل بايارد به، ويقول: “فالقراءة في المقام الأول وقبل كل شيء هي ليست قراءة”. إذ يوجد عدد لا حصر له من الكتب لقراءتها”؛ فإذا قرأت كتاب كير، هل كان سيكون لدي الوقت لقراءة كتاب بايارد؟ وعلى كلٍ، محتوى الكتاب ليس بالغ الأهمية حسب قول بايارد نفسه. ويفسر ذلك بقوله: “لا يعتمد كونك مثقفًا أم لا على عدد الكتب التي قرأت، لكن على تمكنك من العثور على اتجاهاتك داخل منظومة الكتب”.

تمثل الكتب شبكة ثقافية. وبالتالي – كشخص مثقف – يمكنني القول بأن معرفة ما يدور حوله كتاب The Shallows باعتباره ممثلًا لمخاطر الإنترنت الفكرية، هو حقيقة أكثر أهمية من معرفة ما ذُكِر داخل الكتاب بالتحديد.

أو بعبارة أخرى، لو كانت الأعمال الأدبية أكثر أهمية من أي كتاب في منظومة الكتب كلها، لكان الشخص الذي يتصفح سريعًا مئات الملخصات للأعمال الأدبية أكثر ثقافةً وعلمًا من الشخص الذي كد واجتهد في قراءة مجلد كامل أو مجلدين كاملين. ويقتبس بايارد عن أوسكار وايلد مقولته الفريدة في شرح عدم حاجة الشخص المثقف لقراءة الكتب أبدًا، يقول أوسكار وايلد: “يبدو أنه من السهل جدًا معرفة ما إذا كان كتاب ما له قيمة، أم لا قيمة له على الإطلاق في نصف ساعة. وإذا كان لدى الشخص الغريزة السليمة، فعشرة دقائق فقط تكفيه لمعرفة ذلك. فمن ذا الذي يريد أن يخوض ويجتهد في مجلد ممل”؟

ابتداع الكتب بدلًا من قراءتها

يرى بايارد أنه عندما يتحرر “القُرّاء” من عبء تلك المجلدات المملة، يمكنهم حينها الانتقال للمشروعات الثقافية الحقيقية، ألا وهي تأليف الكتب التي لم يقرأوها. فلكتابة هذا المقال، اخترعت نسختي الخاصة من كتاب كير؛ وهي نسخة مُتَصَوَرةٌ لا يعيقها النص الأصلي الممل. ويضيف بايارن: “التحدث عن الكتب التي لم تقرأها في حد ذاته يعد نشاطًا إبداعيًا أصليًا خلاقًا، تعادل قيمته قيمة الكتب المعترف بها اجتماعيًا، حتى ولو حدث ذلك في أضيق الحدود”. ويضيف بايارن أن هذا بالتحديد هو ما يجعل من الإنترنت نعمة للثقافة حقًا، فأي مكان آخر يمكنه تشجيعك باستمرارٍ غير الإنترنت؟ بل ويتطلب منك باستمرار أن تتحدث بإبداع عن أعمال وكتب لم تقم بقراءتها من الأساس؟ كما يشجعك باستمرار على التحدث عن أشياء لا تعلم عنها إلا القليل؟ يرى كير أن طريقة تعامل اقتصاد الإعلام – وهو يقصد بذلك صناعة الإعلام وشركات التواصل الاجتماعي المتربحة بالأساس من مواقع التواصل الاجتماعي – مع ردود أفعال المتابعين السريعة اللامتناهية للأحداث والتي تفتقر للقراءة المتعمقة، هي طريقة سطحية للغاية، بينما بايارد وأوسكار وايلد يرون أنه ربما يكون ذلك تمجيدًا وإعلاء من التعبيرات الثقافية الخلاقة. ويُطرح هنا تساؤل: منذ متى أحس الناس أنهم مخولون بترك المجلدات الكبيرة المملة وراءهم؟ وأنه من حقهم التحدث بكل ثقة عن العديد من الكتب التي لم يقرؤوها؟!

التخلص من تأنيب الضمير هو السبيل للإبداع

قد شجعتنا المدرسة منذ سنوات عدة وحتى الآن على الاعتقاد بأن الكتب لا تُمس من قريب أو بعيد، ويقول بايارد: “لذا نحن نشعر بالذنب بمجرد التفكير في إخضاعها للتغيير”. وقتل هذا الإحساس بالذنب ربما لن يبدأ بتخلل الصفوف الدراسية بعد، لكن يبدو أنه بدأ بالفعل على صفحات الإنترنت، إذ يعلق دهماء القوم بدون خجل وبلا انقطاع على عناوين المقالات، فيغزلون أنسجة غضب عظيمة من أوهام التشكيك، والتي بالكاد تكون لها صلة بموضوع المقال أصلًا، في حين يعلنونها بكل صراحة وفخرٍ أنهم لم يقرؤوا المقال، ولن يقرؤوه”.

ويحدوني الأمل عزيزي القارئ أن أعرف أنك الآن ربما لا تقرأ هذا المقال على الإطلاق، لكنك بالفعل انتقلت لإحدى مواقع التواصل الاجتماعي لمشاركة تصورك الخاص عن الموضوع. وبدون حتى الاطلاع على تصورك هذا، إلا أنني على يقين تام أنها نسخة أكثر حماسًا وذكاءً من تصوري، كما أنها أروع في ضحالتها من هذه النسخة الأصلية.

المصدر: qz.com  | ترجمة: نون بوست

مقالات ذات صله