عمالقة التكنولوجيا: إذا علم الناس ما لدينا عنهم، فسيفقدون صوابهم!

عمالقة التكنولوجيا: إذا علم الناس ما لدينا عنهم، فسيفقدون صوابهم!
إنهما يتعقبانك حتى لو أغلقت الهاتف، ويعرفان قبل زوجتك أنك لم تحظ بنوم جيد، وحتى يعرفان إذا كنت خرجت للمواعدة أم لزيارة صديق، إنهما فيسبوك وجوجل ، عمالقة وادي السيليكون الشهير.فهما يسيطران على فيض من المعلومات في كل العالم، يتعقبان كل الأشخاص الموجودين على بقية الإنترنت أيضاً، باستخدام شبكة من برمجيات التصفح الدقيقة والخفية.فيسبوك وجوجل أسسا، خلال مدة تجاوزت بقليل عقداً من الزمان، جهاز رقابة خاصاً ذا درجة استثنائية من التطور والقدرة على الوصول.رغم أن الكثيرين يعلمون هذا الوضع، ولكن قليلين حاولوا تغييره، منهم رجل بعينه قرر خوض معركة لتغيير هذا الوضع أو على الأقل تحجيمه، رغم أن عمله ليس مرتبطاً كثيراً بالقضية، بل أنه استفاد شخصياً من فورة شركات التكنولوجيا.

إنه الستير ماكتاغارت الذي قاد حملة لإصدار تشريع لحماية التشريع في ولاية كاليفورنيا الأميركية، في مواجهة عمالقة التكنولوجيا.

الصحفي الاستقصائي نيكولاس كونفيسور يروي في تقرير مطول نشر في صحيفة The New York Times الأميركية تفاصيل هذه المعركة غير المتكافئة مع هذه الشركات العملاقة وهي المعركة التي قد تغير مصير سياسات الخصوصية في الولايات المتحدة الأميركية بل والعالم.

البداية من إجابة غير متوقعة: إذا علم الناس ما لدينا عنهم، فسيفقدون صوابهم!

بنبيذٍ وفطيرة بيتزا في تلال مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية يبدأ سرد الستير ماكتاغارت لقصة صحوته -التي جعلته ربما الناشط الأهم، في قضايا الدفاع عن الخصوصية في الولايات المتحدة، حسب نيكولاس كونفيسور.

كان ذلك قبل سنوات قليلة، في ليلة دعا خلالها ماكتاغارت وزوجته بعض الأصدقاء لتناول العشاء. وكان أحد المدعوين مهندس برمجيات في شركة جوجل، يزور مواقع البحث والفيديوهات التي يعمل بها أكثر من مليار شخص شهرياً.

ولما هدأت أجواء اللقاء في المساء، سأل ماكتاغارت صديقه، بنبرةٍ شبه جدية، ما إذا كان عليه أن يقلق من كل الأشياء التي يعرفها جوجل عنه. تذكر ماكتاغارت مؤخراً رد الصديق: «توقعت واحدة من هذه الإجابات التي تحصل عليها من الطيارين حول طائرة تتحطم: كما تعلمون: حسناً، لا شيء لتقلقوا بشأنه».

وبدلاً من هذا، أخبره صديقه أن هناك كثيراً من الأشياء ليقلق بشأنها. قال مهندس البرمجة بشركة جوجل إنه إذا علم الناس حقاً ما لدينا عنهم، فسوف يفقدون صوابهم من الغضب.

لقد جمع ثروته من هؤلاء المبرمجين المحترفين الذين لا يعرف شيئاً عن عملهم

قضى ماكتاغارت أغلب حياته الراشدة في منطقة الخليج بولاية كاليفورنيا، وأدار شركة عقارات عائلية مع عمه. وأدت النهضة التي شهدها مجال التكنولوجيا إلى شغل الشقق التي يطورها بالمهندسين الطموحين ورواد الأعمال، وهو ما جعله رجلاً ثرياً.

لكنه لم يفكر حقاً قط في الطريقة التي جعلت شركات مثل جوجل وفيسبوك تنمو لتصل إلى هذا الحجم بهذه السرعة. كانت غالبية البيانات التي جمعوها وحوَّلوها إلى نقود أمراً مبهماً، وهو شيء عرف أنه موجود بالفعل لكنه، مثل الطائرة التي تتحطم، نادراً ما يجري تناوله.

ثم اكتشف أن أميركا ليس لديها قانون ينظم البيانات الشخصية

والآن بدأ يفكر كثيراً في شركات التقنية. بدأ الرجل بالقراءة عن التتبع عبر الإنترنت واستخراج البيانات. واكتشف أن الولايات المتحدة، على عكس بعض البلاد الأخرى، لم يكن لديها أي قانون شامل ينظم جمع واستخدام البيانات الشخصية.

إذ أن الشركات الأكثر اعتماداً على بياناتكم هي من وضعت جانباً كبيراً من القواعد القائمة، فالناس لم تقرأ قط سياسات الخصوصية واتفاقات المستخدم النهائي.

الستير ماكتاغارت

وعندما قرأ السياسات كما يفعل مع العقود هاله ما تجمعه الشركات من البيانات التي وصلت حتى لحذائه

شرع ماكتاغارت في التدقيق في هذه السياسات عن كثب، بالطريقة التي يقرأ بها عقود القروض والتي يمعن بها النظر في خطط السداد المقدمة. فعلم أنه لم تكن هناك حدود حقيقية أمام المعلومات التي يمكن للشركات أن تجمعها أو تشتريها عنه؛ وأنها إذا استطاعت أن تجمع أي شيء أو تشتريه، كانت تفعل ذلك مباشرة.

علمت هذه الشركات أشياء على شاكلة مقاس حذائه، ومكان إقامته بكل تأكيد، بل وتقريباً كمية الأموال التي جناها، وما إذا كان في السوق لابتياع سيارة جديدة. مع انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات الصحة، استطاعوا كذلك تتبع تحركاته أو ما إذا حظي بنوم جيد في المساء. وبمجرد انتشار الاعتماد على تكنولوجيا التعرف على الوجه، استطاعوا تعقبه حتى إذا لم يُشغِّل مطلقاً هاتفه الذكي.

وكل ذلك يباع لهؤلاء العملاء الذين يحددون أسعار السلع بناء على موقعك

وعلم أن كل هذا مُصمَّم لمساعدة العملاء الحقيقيين -المُعلِنين- كي يبيعوا له أشياء.

كان المعلنون وشركاؤهم في وادي السيليكون يجمعون، ويبيعون، ويتاجرون في كل مقدار ذي قيمة من ذاتِ المرء -وفي المثل هنا من ذات ماكتاغارت- وهو ما يمكن نقله عبر ضغطة زر الماوس أو محتويات عربة التسوق الخاصة به.

فقد عرفوا ما إذا كان قد قاد سيارته من أمام تلك اللوحة الإعلانية لشركة نايكي، قبل أن يشتري في النهاية حذاء Air Force 1s الموجود على اللوحة الإعلانية. يمكن أن يضع موقع ما سعراً أعلى على مجفف شعر إذا كان يعيش في منطقة معينة، أو سعراً أقل إذا كان يعيش بالقرب من متجر منافس.

إنهم يعرفون حتى ما تنوي فعله

يمكن أن يشتري المعلنون آلافاً من نقاط البيانات تقريباً عن كل شخصٍ بالغٍ في أميركا. بمساعدة وادي السيليكون، يمكنهم الوصول إلى تخمينات ذات دقة متزايدة حول ما أردته، وما خفت منه وما قد تفعله لاحقاً: الاستقالة من وظيفتك، على سبيل المثال، أو الحصول على الطلاق، أو الدخول في علاقة غرامية.

ولم يكن لدى أي جهة علم بما فعله الأشخاص أو ما الذي سيفعلونه أكثر من فيسبوك وجوجل، اللذين أمدت منتجاتهما الاجتماعية والبحثية المجانية كل شركة بمخزون هائل من البيانات الشخصية الوثيقة. عرفا ما الذي «أعجبك» ومن كانوا أصدقاؤك. لم يعرفا فقط ما الذي كتبته في محرك البحث مساء الجمعة، بل وأيضاً ما الذي بدأت في كتابته ثم فكرت في شيء أفضل.

كان فيسبوك وجوجل يتعقبان كل الأشخاص الموجودين على بقية الشبكة أيضاً، باستخدام شبكة من برمجيات التصفح الدقيقة والخفية؛ فقد أسسا، خلال مدة تجاوزت بقليل عقداً من الزمان، جهاز رقابة خاصاً ذا درجة استثنائية من التطور والقدرة على الوصول. اعتقد ماكتاغارت أنه ينبغي عليه القيام بشيء. فبدأ يتساءل ما إذا كان يجب عليه أن يكون الشخص الذي يفعل هذا الشيء.

ورغم أنه رأسمالي فإنه قرر التحرك

لم يفكر ماكتاغارت، البالغ من العمر 52 عاماً وإن بدت هيئته أصغر في السن، أنه من الممكن له أن يلعب دوراً راديكالياً. إذ يصف نفسه غالباً بأنه رأسمالي. فهو ذلك الرجل الذي يمكن أن يرتدي ملابس قطنية وحزاماً مجدولاً، ويمكن بكل سهولة التقاط صورة له وهو في مركب شراعي. إلا أن بحثه عن الخصوصية أثار شيئاً ما بداخله.

يقول ماكتاغارت: «إنه مثل روح بوذية، حيث تمر بجوار حالة فوضى وأدوات لترتيبها، فتقول: «شخص ما عليه أن يرتب هذه الفوضى. وتدرك في النهاية أن عليك التقاط هذه الأدوات».

ثم اقترح عليه صديقه طرح الأمر على شعب كاليفورنيا مباشرة

خلال جولاته المسائية في ربوع الحي الذي يقطنه، طرقت أبوابَه أفكارٌ لقانون دولة جديد مع صديقه ريك أرني، وهو مسؤول في مجال التمويل. لكن أرني، الذي عمل في المجلس التشريعي لولاية كاليفورنيا بعد تخرجه من كلية الأعمال، اقترح نهجاً مختلفاً.

اقترح أرني أنه بدلاً من زيارة المجلس التشريعي للولاية في العاصمة ساكرامنتو، يمكنهم طرح المسألة على أبناء كاليفورنيا مباشرة، وتجميع التوقيعات لمبادرة تصويت في جميع أنحاء الولاية.

أُعجب ماكتاغارت بالفكرة. وكان لديه أيضاً المال ليفعل به شيئاً ما. في بدايات العام الماضي 2017، عيَّن طاقمَ عملٍ صغيراً، واتخذ لهم مكتباً بغرفتين في أوكلاند وبدأ في إجراء اتصالات غير مرتبة مع خبراء في مجال الخصوصية ليحدد فقط ما يجب أن تقوله مبادرته.

يقول كريس جاي هوفناغل، الذي يُدرِّس القانون في جامعة كاليفورنيا بمدينة بيركلي: «اعتقدت أنها مزحة في البداية أن يتصل بك شخص يُدعى الستير ماكتاغارت».

ورغم جرأته فقد تجنب تقليد القانون الأوروبي حتى لا يقتل الأعمال

كان ماكتاغارت حذراً من التقدم باقتراح لقانون شامل مثل القانون الأوروبي لحماية البيانات العامة (المعروف باسم قانون G.D.P.R)، خوفاً من أن كاليفورنيا ستجده معقداً فترفضه. وأراد حلاً يمكن للمستهلكين تبنيه ويمكن لوادي السيليكون التعايش معه.

يتذكر هوفناغل ما أخبره به ماكتاغارت: «لا أريد قتل الأعمال، فأنا رجل أعمال. أعتقد وحسب أن استخدام البيانات من جانب هذه الشركات خارجٌ عن السيطرة».

إنهم يحتكرون نصف التسويق الإلكتروني في العالم فكيف يتخلون عنه؟

بالرغم من أنها كانت شبه مصادفة، دفع ماكتاغارت بنفسه نحو الموقع الأكثر استهلاكاً للموارد في القرن الحادي والعشرين: إلى وادي السيليكون، حيث أصبحت المعلومات الشخصية نوعاً من الودائع الطبيعية غير المحدودة، التي تتشكل في الأثير الرقمي عبر أشخاص عاديين كلما تصفحوا، واستخدموا التطبيقات، وراسلوا أصدقاءهم.

ومثلما هو الحال مع بارونات النفط من قبلهم، جمعوا وكرروا تلك الموارد -أو هذبوها- لبناء بعضٍ من أعلى الشركات قيمة في العالم، بما في ذلك فيسبوك وجوجل، وهو احتكار ثنائي ناشئ يتحكم في الوقت الحالي في أكثر من نصف كمية التسويق الإلكتروني في العالم. غير أن نموذج الأعمال بأكمله -وهو ما تطلق عليه شوشانا زوبوف، الفيلسوفة والمنظرة في مجال الأعمال، مصطلح «رأسمالية المراقبة»- يعتمد على قدرة غير مقيدة بنظام للوصول إلى بياناتكم الشخصية.

لم ترغب صناعة التكنولوجيا في التخلي عن نفوذها الرقابي، بل أرادت ترسيخه. وحسبما سيعلم ماكتاغارت قريباً، حصل وادي السيليكون تقريباً في كل المرات على ما يرغب فيه.

والسؤال الأهم: لماذا تجنب المشرعون تنظيم قطاع التكنولوجيا منذ وقت مبكّر؟

خلال أغلب الوقت القصير نسبياً الذي ظهر فيه، كان وادي السيليكون أقل تنظيماً تقريباً من أي صناعة رئيسية أخرى. كانت التكنولوجيا التي تدير الأعمال معقدةً، وقليل من صناع القوانين أرادوا أن يُنظر إليهم على أنهم يقفون في طريق نوع جديد من توليد الثروة، وهي ثروة بدت أنها لا تحمل أي سلبيات فوضوية مثل التلوث أو الانهيار الاقتصادي العالمي.

يمكن لأغلب كبرى شركات التكنولوجيا أن تتجاهل واشنطن بكل بساطة -إلى أن تصبح كبيرة للغاية على أن تتجاهلها واشنطن. عندما هددت الجهات التنظيمية في نهاية المطاف بالتدخل، فعلت الشركات الشيء الذي تجيد القيام به: فقد وسعت نطاق أعمالها، ولم يقتصر الأمر هذه المرة على البرمجيات والخوادم، بل امتد إلى كتائب كاملة من جماعات الضغط والمحامين.

لأنه عندما تعرضت مصالح الشركات للخطر قررت إنفاق أموالها في واشنطن

لم يكن لشركة مايكروسوفت حضورٌ فعلي في واشنطن قبل أن تتقدم وزارة العدل بدعوى مكافحة احتكار ضد الشركة في التسعينيات.

ومؤخراً في عام 2003، احتفظت جوجل بجماعتي ضغط خارجيتين في واشنطن، وعلى مدى ما يقرب من عقدٍ من الزمن بعد هذا التاريخ، نظراً إلى أنها صارت صاحبة محرك البحث الأكثر هيمنة في العالم، أصبحت الشركة محصنة تحصيناً شديداً بين الدوائر السياسية والاجتماعية لواشنطن، فقد عينت جماعات ضغط، وتوددت إلى الجهات التنظيمية، ومولت الأبحاث الخاصة بمئات الدراسات الملائمة لجوجل حول المنافسة وقانون حقوق الملكية وموضوعات أخرى.

وأصبح لديهما اللوبي الأكثر قوة في أميركا

وبحلول العام الماضي 2017، كانت الشركة الأم لجوجل، وهي شركة «ألفابت»، تنفق مزيداً من المال على جماعات الضغط أكثر من أي شركة أخرى في الولايات المتحدة.

أما فيسبوك، الذي يصغر عمره عمر جوجل بحوالي عقد، فقد شيَّد جهازه السياسي بسرعة تصل إلى ضعف سرعة جوجل، كما لو أنه طبق نوعاً من «قانون مور» (قانون ينص على أن عدد الترانزستورات على شريحة المعالج يتضاعف تقريباً كل عامين في حين يبقى سعر الشريحة على حاله) حول استغلال النفوذ.

فعندما طُرحت الشركة للعرض العام في عام 2012، كان لدى الشركة 900 مليون مستخدم -أي أقل من نصف عدد مستخدميها الحاليين- وحققت ربحاً متواضعاً بلغ 53 مليون دولار.

احتفظت جوجل بجماعتي ضغط خارجيتين في واشنطن

وعلى مدار الأعوام اللاحقة، صارت فيسبوك في الوقت ذاته واحدة من أكثر الشركات جمعاً للبيانات الشخصية وصاحبة حضور قوي في واشنطن وما بعدها.

حازت فيسبوك على إنستغرام، وهي منصة اجتماعية منافسة لها، وتطبيق التراسل الفوري واتساب، وهو ما منح فيسبوك قدرة على الوصول إلى مليارات الصور والبيانات الأخرى للمستخدمين، وأغلبها من خلال الهواتف الذكية.

وشكلت شراكات مع أكبر وسطاء البيانات الذين يشكلون طرفاً ثالثاً في هذه العملية، مثل شركة Acxiom، من أجل استيعاب كمية مهولة من البيانات التجارية، ثم بدأت في تعقب ما يفعله مستخدموها على المواقع الأخرى. أتاح الاستغلال الذكي لكل تلك البيانات أن تستهدف فيسبوك إعلانات أفضل من أي جهة أخرى تقريباً.

وبحلول عام 2015، كانت الشركة تحقق أرباحاً قيمتها 4 مليارات دولار سنوياً من إعلانات الجوال. بدءاً من العام 2011، ضاعفت فيسبوك من كمية الأموال التي تنفقها على جماعات الضغط في واشنطن،ثم ضاعفتها مرة أخرى.

وظفت الشركة 10 جماعات ضغط في عواصم الولايات بالبلاد في عام 2012، حسب تحليل كاتب التقرير  للبيانات التي جمعتها المؤسسة الوطنية للمال المُنفَق في السياسة (National Institute on Money in Politics).

وعندما بدأ ماكتاغارت وأرني عملهما على مبادرة الخصوصية، كان لديها 67 جماعة ضغط. كانت صناعة التكنولوجيا نافذة نفوذاً خاصاً في ولاية كاليفورنيا، وهي قاعدتها الرئيسية، حيث أعطت الملايين من إسهامات الحملات إلى مرشحي الولاية وأحزابها.

غير أنهما امتلكا ما هو أكثر من ذلك، لقد هيمنا على القلوب والعقول بأداة أخرى

ولكن حتى فترة قريبة، كان لدى شركات مثل فيسبوك وجوجل شيء لم يكن لدى وول ستريت والست الكبار في مجال النفط، وشركات الاتصالات. بالنسبة لكثير من الأشخاص في واشنطن، كانت هذه الشركات هي الأخيار.

خلال سنوات حكم أوباما، تمتعت صناعة التكنولوجيا ببصمة استثنائية في واشنطن، ليس فقط بين الجمهوريين، بل وأيضاً بين الديمقراطيين. أتاحت الشراكات مع وادي السيليكون للديمقراطيين أن يضعوا أنفسهم في موقف المؤيد للأعمال والتفكير المتطلع.

ولقد تمتعوا بوضعية خاصة في عهد أوباما

فقد كانت صناعة التكنولوجيا قصة نجاح اقتصادية أميركية وأيضاً حليفاً للديمقراطيين في قضايا مثل الهجرة. تمتعت جوجل بعلاقات وثيقة بصورة خاصة مع إدارة أوباما: عشراتٌ من خريجي جوجل كانوا يعملون في البيت الأبيض أو مواقع أخرى في الإدارة.

ووفقاً لأحد التقديرات، زار ممثلون لجوجل البيت الأبيض بمتوسط مرة أسبوعياً. كما أن عالم أوباما كان لديه علاقات مع شركات تكنولوجية أخرى أيضاً.

عملت شيريل ساندبرغ، كبيرة مسؤولي التشغيل في فيسبوك، ضمن مجلس استشاري رفيع المستوى لأوباما ونظمت جمع تبرعات لحملة إعادة انتخاب أوباما من موطنها في مدينة أثرتون بولاية كاليفورنيا. أسهم مؤسسو تويتر، ولينكد إن، وشركة تطوير التطبيقات Zynga معاً بأكثر من مليوني دولار لإحدى لجان العمل السياسي الكبيرة المؤيدة لأوباما.

وعلى نحو متزايد، وصل وادي السيليكون لمرحلة بات يحوِّل فيها دفة السياسات نفسها. ولمَّا وضع ماكتاغارت في الاعتبار طريقة لهزيمة صناعة البيانات، واجه مؤسسة سياسية أميركية رأت أن مفتاح مستقبلها في يد شركات على شاكلة جوجل وفيسبوك -ليس بسبب من يدعمونهم بل بسبب ما فعلوه.

ولكن نفس المجموعة التي دعمت أوباما الليبرالي، ساعدت بانتخاب ترمب العنصري

لم تقتصر أنشطة رأسماليي المراقبة على بيع مزيد من مزيلات العرق عبر الإعلانات، بل شيدوا واحدة من أقوى الأدوات المبتكرة على الإطلاق للفوز بالانتخابات.

وتقريباً نفس مجموعة التكنولوجيا، التي ساعدت في انتخاب أوباما، وهو شخصية ليبرالية براغماتية تعهد بإحراز تقدم على صعيد القضايا العنصرية وتعهد بعولمة تعمل من أجل الخير -ساعدت أيضاً في انتخاب ترمب، وهو شخصية قومية حادة استغل بمهارة وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة ذعر عنصري ومضى في طريقه لهدم نظام عالمي تقوده أميركا.

وأصبحوا قوة لا تقهر بفضل اختراقهم للحزبين وحتى لخصومهم

في واشنطن وعواصم الولايات، ساعدت توليفة الثروة والمكانة والجهل في جعل صناعة التكنولوجيا لا تُهزَم في الواقع. وزعت هذه الشركات أموال حملات الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. وكان لديهم حلفاء في المراكز البحثية الرئيسية والجامعات.

انتمت فيسبوك وحدها إلى أكثر من أربعين منظمة تجارية وائتلاف صناعي، وهي دروع سياسية يمكن أن تفيد مصالح فيسبوك في المعارك التي كانت ضارة للغاية إذا خاضتها مباشرة. دعمت فيسبوك رابطة مكافحة التشهير، والمجلس الأميركي للمكفوفين، والاتحاد الأميركي للمحافظين، والجمعية الوطنية للنهوض بالملونين. ووزعت ملايين الدولارات في شكل منح لجماعات الحملات المؤيدة للتكنولوجيا -بما في ذلك الجماعات التي انتقدتهم أحياناً. ومثلما هو الحال مع شبكة البيانات الشخصية التي كانت تنقب فيها من أجل تحقيق الربح، كانت الشبكة السياسية لوادي السيليكون في ذات الوقت ضخمة، ونافذة، وغامضة.

عهد جديد كانت يفترض أن يبزغ: إعلان أوباما لحقوق خصوصية المستهلك

في الخريف الماضي، قدم هوفناغل ماكتاغارت إلى طالب دراسات عليا سابق لديه يُدعى أشكان سلطاني، وهو باحث ومستشار في مجال الخصوصية يحظى بتقدير كبير. وسرعان ما بدأ الرجلان في تبادل سيلٍ من المراسلات الإلكترونية فيما بينهما. كرَّس سلطاني أغلب حياته الراشدة في استيعاب الرقابة الرقمية والخصوصية، ورَصَدَ عن كثب الطريقة التي تمارس بها صناعة التكنولوجيا إرادتها في واشنطن. أخبر سلطاني ماكتاغارت أن مبادرته حول الخصوصية ستحتاج كثيراً من العمل إذا أراد لها أن تستمر. وقرر ماكتاغارت أن يُعيِّنه.

أدرك سلطاني تماماً القوة التي ستخوض بها فيسبوك وجوجل المعركة لحماية نماذج أعمالهما، لأنه شاهدهما تفعلان ذلك من قبل. في فبراير/شباط 2012، كشف مسؤولون بارزون من إدارة أوباما عما تمنى بعضهم أنها ستصبح مبادرة لجمع التوقيعات في الفترة الرئاسية الثانية لعهد أوباما: «إعلان حقوق خصوصية المستهلك». طالب المقترح بوضع حدود على البيانات التي كانت الشركات تجمعها ومزيد من السيطرة التي يحظى بها المستهلكون حول الطريقة التي تُستخدم بها، وكان لدى صناعة التكنولوجيا على الأقل بعض الحوافز ليضعوها في عين الاعتبار: ففي العام السابق لهذا التاريخ، أبرمت كل من جوجل وفيسبوك مراسيم قبول مع لجنة التجارة الفيدرالية بعد أن وجدت الجهات التنظيمية أن الشركتين خدعتا المستخدمين حول سياسات الخصوصية الخاصة بهما.

إنهم يبيعون لك القهوة ثم يطلبون منك التأكد أنها خالية من الرصاص

شارك سلطاني، الذي كان يعمل آنذاك خبير تقنية في لجنة التجارة الفيدرالية، في كلا التحقيقين وساعدت جهوده في تسليط الضوء على إشكالية أكثر تفشياً: لم يكن لدى أغلب المستهلكين بكل بساطة وقتٌ أو خبرةٌ للاطلاع على الجانب الاقتصادي لبياناتهم الشخصية بأنفسهم. أخبرني سلطاني مؤخراً: «يلقي نموذج وادي السيليكون بالمسؤولية على عاتق المستخدم ليقرر ما إذا كان الاتفاق عادلاً.

يشبه الأمر بيع قهوة إليك وجعل وظيفتك أن تقرر ما إذا كانت القهوة تحتوي على مادة الرصاص». وقال إنه عندما يتعلق الأمر بالخصوصية «فليس لدينا قاعدة قانونية تقول لا يمكنك وضع الرصاص في القهوة».

وبدا عليهم أخيراً أنهم مستعدون لقبول القيود لحماية خصوصية المستهلكين

اعتقد مسؤولو البيت الأبيض في البداية أن كثيراً من شركات التكنولوجيا كانت متقبلة لأفكار الإدارة. لكن عندما عمل فريق من الخبراء في وزارة التجارة بإدارة أوباما على صياغة مشروع قانون مُفصَّل حول الخصوصية بدأت صحيفتا The Guardian  البريطانية وThe Washington Post الأميركية في العام التالي، في نشر سلسلة ممتدة من المقالات حول برامج الرقابة التابعة لحكومة الولايات المتحدة.

واستناداً إلى آلاف الوثائق التي أمدها إدوارد سنودن، وهو متعاقد تقني سابق لدى وكالة الأمن القومي الأميركية، كشفت المقالات عن الطريقة التي كانت تستخدمها وكالة الأمن القومي الأميركية لجمع فيوض من البيانات الشخصية -رسائل بريد إلكتروني، وصور، ومحادثات تراسل فوري- من تسع شركات إنترنت رائدة، بما فيها جوجل، وفيسبوك، وياهو، ومايكروسوفت. ترك سلطاني، عقب ذلك، لجنة التجارة الفيدرالية وانضم إلى صحيفة The Washington Post باعتباره مستشاراً حول السلسلة، وعمل على مقالات عرضت الطريقة التي جمعت بها وكالة الأمن القومي الأميركية مئات الآلاف من دفاتر عناوين المستخدمين عن طريق مقدمي خدمات البريد الإلكتروني، بل وقرصنت الشبكات الخاصة التي تستخدمها شركات مثل جوجل وياهو لنقل بياناتها.

ولكن عندما تبين أن أوباما متواطئ مع وكالات التجسس أصبحت هذه فرصتهم لتحويل الأنظار

سلبت فضيحة سنودن من مقترح أوباما المتعلق بخصوصية المستهلكين كلاً من الزخم الذي كان دائراً حوله وكذلك السلطة الأخلاقية لهذا المقترح. ولمَّا لُدِغَ بفكرة أنه تواطأ مع وكالات التجسس في الولايات المتحدة، طالب وادي السيليكون بأن تنظم الحكومة نفسها بدلاً من ذلك، وتحالف في مساعيه مع جماعات الحريات المدنية للضغط من أجل تشريع يكبح جماح وكالة الأمن القومي الأميركية.

على مدار أشهر عديدة تالية، سافر عشرات من مسؤولي التقنية إلى واشنطن لعقد اجتماعات رفيعة المستوى مع أوباما، بما في ذلك ساندبرغ (كبيرة مسؤولي التشغيل بفيسبوك، التي عملت ضمن مجلس استشاري لأوباما)، التي التقت أيضاً بيني بريتزكر، وزيرة التجارة الجديدة في إدارة أوباما، وهي مليارديرة من شيكاغو شاركت في رئاسة حملة إعادة انتخابه.

شركات وادي السيليكون تتحكم في كافة مناحي حياتنا الآن

والآن حان وقت وضع قانون جديد.. أنتم شركاء ولستم خصوماً

في بدايات 2014، سافرت بريتزكر إلى وادي السيليكون لتنظيم جولة استماع حظيت بتغطية إعلامية مكثفة. وأشادت بصناعة التكنولوجيا باعتبارها نموذجاً للحكومة، وأنها شريكٌ وليست خصماً. وأعلنت أن البيانات هي «نفط القرن الحادي والعشرين».

تضمنت جولة بريتزكر زيارات إلى شركات إيباي، وجوجل، ومقر فيسبوك في مدينة مينلوبارك، حيث التقت ساندبرغ. ناقشت السيدتان عدداً من القضايا، بما في ذلك خصوصية المستهلك، وكيفية ضمان أن شركات التكنولوجيا الأميركية تستمر تنافسيتها حول العالم.

قال مسؤولان سابقان في إدارة أوباما لكاتب المقال إن هذه المحادثات شكلت على ما يبدو آراءً مبكرة لدى بريتزكر حول الخصوصية. أخبرت بريتزكر جمهورها خلال فعالية لتسريع نمو الشركات الناشئة نُظِّمَت في مدينة سانيفال: «هدفنا في وزارة التجارة، كوننا منظمة خدمية، أن ندعمك، سواء كنت باحثاً، أو مبتكراً، أو رائد أعمال، أو مستشاراً، أو مستثمراً».

عندما عادت إدارة أوباما في نهاية المطاف إلى مشروع قانون خصوصية المستهلكين خاصتها في الخريف التالي، أعربت بريتزكر وفريقها عن المخاوف من مجاله ونطاقه، حسبما نقل مسؤولون سابقون في إدارة أوباما تحدثوا مع كاتب التقرير.

وأرادت بريتزكر التأكد من أن مشروع القانون يمكن أن يحظى بدعم الصناعة، ومعه أيضاً دعم الجمهوريين. في يناير/كانون الثاني 2015، أقنع مكتبها البيت الأبيض بتأجيل النشر العام للمشروع، الذي خُطِّط له أن يتزامن مع حديث يُلقيه أوباما في لجنة التجارة الفيدرالية.

بدلاً من هذا، بدأ معاونوها في استعراض مشروع القانون خلال عشرات اللقاءات مع مسؤولين تنفيذيين لشركات وجماعات ضغط مختلفة. حسبما قال المسؤولون السابقون في إدارة أوباما، عبَّرَت الصناعة عن مجموعة من الاعتراضات. اعترضت فيسبوك وجوجل على وجه الخصوص، على عدد أنواع البيانات التي غطتها القواعد، التي لم تتضمن فقط المعلومات الشخصية التقليدية مثل أرقام التأمين الاجتماعي، بل امتدت كذلك إلى البيانات المرتبطة بأجهزة خاصة كانت مهمة لتجميع الملفات الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الدعاية والإعلانات (شكَّكَت فيسبوك في هذه الرواية).

قال جيم هوك، رئيس الموظفين بوزارة التجارة خلال عهد بريتزكر، وهو حالياً المتحدث باسم شركتها الاستثمارية الخاصة PSP Partners، إن بريتزكر راعت جميع أوجه النظر. وأضاف: «لم يكن هناك اجتماع أهم من آخر».

وعندما عُرض المشروع على المدافعين عن المستهلكين كانت الصدمة

ولكن عندما عُرِضَ مشروع القانون في النهاية على المدافعين عن المستهلكين، بدوا غاضبين. احتوى القانون في هذه الآونة على مجموعة من الاستثناءات والاجتزاءات. فقد خفَّض العقوبات المالية خفضاً جذرياً ولم يحمِ تحديداً بيانات المواقع. والأكثر من هذا أنه بدا متراجعاً عن فكرةٍ مفادها أن خصوصية المستهلك حقٌّ أصيل. كانت جميع جوانب الحماية تُطبَّق فقط إذا كان جمع أو استخدام معلومة ما يشكل خطراً كبيراً من الإضرار الاقتصادي أو العاطفي. في مارس/آذار من ذلك العام، وقّعت المجموعات الرئيسية  في واشنطن التي تدافع عن خصوصية المستهلكين على خطاب مفتوح ينتقد مقترح أوباما، وجادلت بأنه لم يؤدِّ ما يكفي.

في المقابل، أدلت جمعية الإنترنت، وهي مجموعة تجارية تمثل جوجل وفيسبوك وأمازون وشركات أخرى، هي الأخرى بدلوها، وهاجمت مشروع القانون، واصفة إياه بأنه فضفاض وثقيل. أخبرني سلطاني قائلاً: «كان الشعور أنه لم يفعل الكثير، ولم يفضله حقاً أي طرف».

وها هو وادي السيليكون يصبح بطل الحريات المدنية بل إنه فاز بمعركة التعرف على الوجوه

لم يفعل البيت الأبيض الكثير ليطور مشروع القانون. كان معاونو أوباما يصبّون تركيزهم على معركة تشريعية أخرى: ففي يونيو/حزيران آنذاك، وبدعم من شركات التقنية، مرَّرَ الكونغرس قانون الحرية في الولايات المتحدة، وهي عملية إصلاح رئيسية للرقابة التي تمارسها وكالة الأمن القومي الأميركي؛ مما وضع وادي السيليكون في صورة بطل الحريات المدنية.

ولم يُولَ سوى قليل من الاهتمام عندما انهارت، بعد أيام قليلة، مجموعة عمل نظمتها الإدارة لمعالجة المخاوف المتعلقة بتقنية التعرف على الوجوه. ورفض ممثلون عن الصناعة التصديق على مبدأ أنالشركات يمكن أن تحتاج الحصول على موافقة الأشخاص قبل فحص وجوههم في الشوارع العامة. فأي فكرة كانت واشنطن ستستحدثها  لتنفيذ إصلاحات موسَّعة على مسألة الخصوصية وُلدت ميتة. وفاز وادي السيليكون.

كما أن سلطاني مُنع من تصريحه الأمني في البيت الأبيض

تقابل سلطاني وماكتاغارت وجهاً لوجه لأول مرة في الخريف الماضي في مكتب محاميَي ماكتاغارت في أوكلاند. كان سلطاني يمكث في فترة راحة من نوع ما، ويجوب خلالها البلاد داخل شاحنة صغيرة ويزور المتنزهات المحلية. قُطعت الفترة التي قضاها سلطاني في البيت الأبيض خلال عهد أوباما، عندما حُرم من تصريحه الأمني (اعتُبر القرار بين دوائر المهتمين بقضايا الخصوصية عقاباً على عمله ضمن سلسلة سنودن).

تساءل سلطاني، البالغ من العمر 43 عاماً: ما إذا كان ماكتاغارت سيتبين أنه يهوى القضية. إلا أنه عندما عمل الرجلان من أجل تعديل المقترح، وجد سلطاني أن انبهاره يتزايد.

قال سلطاني لكتاب التقرير: «لقد عملت مع أشخاص لديهم مصلحة شخصية، ولديهم أجندة. كانت أجندة الستير: أولاً: افعل شيئاً جيداً. ثم كانت: افعل شيئاً حول الخصوصية. ثم كانت: افعل شيئاً حول خصوصية البيانات».

والآن لقد تعلم ماكتاغارت درس أوباما.. الهجوم على الطرف الثالث

عكست لغة مبادرة التصويت الوليدة، التي وضع ماكتاغارت اللمسات الأخيرة لها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2017، دروساً من الفشل المرير لمبادرة الخصوصية الخاصة بإدارة أوباما.

لم يُطلق عليها «إعلان حقوق». وفي واجهتها، لم تكن هجوماً مباشراً على عمالقة وادي السيليكون. بدلاً من ذلك استهدف مقترح ماكتاغارت ما يُسمى بسوق الطرف الثالث للبيانات الشخصية، حيث تتاجر الشركات وتبيع معلوماتك لشركة أخرى، دون معرفتك بشأنها في الغالب.

مشروع القانون يجعلك تعرف كيف تخمّن الشركات حتى عادات المواعدة

بموجب القانون المقترح، يمكن أن يطلب كل مستهلك في كاليفورنيا، من أغلب الشركات الكبيرة، موجزاً حول ملفه الرقمي؛ ليستعرض تصنيفات المعلومات الشخصية التي جمعتها الشركة. ضم ماكتاغارت وسلطاني تقريباً جميع التصنيفات المتعلقة بالمعلومات الشخصية التي يمكنهم التفكير فيها: وليس فقط ما إذا كانت الشركات جمعت اسمك وعنوانك، بل أيضاً ما إذا كانت جمعت تاريخ تصفّحك على الإنترنت، وبصمات اليد الخاصة بك، وعملية مسح للتعرف على وجهك ضمن بيانات الموقع الخاصة بك. ويمكن أن يُطلَب منهم إخبار المستهلكين إذا كانوا يصوغون «الاستدلالات»، وهي التخمينات المعقدة التي تحصل عليها الشركات، لنقل مثلاً عادات المواعدة الخاصة بك أو ذوقك في السيارات المكشوفة. وإذا لم يرغب المستهلكون في هذا الاتفاق، يمكنهم «عدم تطبيقه»، مطالبين الشركة بعدم السماح مرة أخرى ببيع أو مشاركة أي من البيانات الموجودة ضمن نطاق تصنيف محدد.

الأهم أنه سينهي الطريقة التي تجبر بها الشركات المستهلكين على الاشتراك في التطبيقات

غير أن مبادرة التصويت كان لها أثرٌ كبير مع عمالقة وادي السيليكون. فإذا جرى تبنّيها، وهو ما تمنّاه ماكتاغارت وأرني، فيمكن أن تكبّل نموذج الموافقة المعتمد على «الإشعار والاختيار» الذي تنتهجه صناعة التكنولوجيا، حيث تُملي الشركات جميع الشروط والأحكام المتعلقة بالخدمة مقدماً؛ لتجبر المستهلكين على إما الموافقة أو العثور على تطبيق مختلف.

فقد اعتقدوا أنه كلما يطلب كثير من الناس عدم تطبيق الاتفاق على مشاركة البيانات، يمكن أن تجفف القواعد رويداً رويداً من إمدادات البيانات الشخصية التي تستطيع الشركات بيعها أو التجارة فيها في السوق المفتوحة.

يقول ماكتاغارت: «كانت عملية التتبع التي يجريها الطرف الثالث ستنتهي من الأساس؛ لذا عندما تدخل على حسابك على سبوتيفاي فلن يُفعَّل حسابك أيضاً لدى حوالي 100 شريك. ولن يكون لديك 75% من المواقع الإلكترونية في العالم التي تراقبك».

ومع ذلك، تخيَّل ماكتاغارت وسلطاني أن قواعدهما ستكون لها لمسة خفيفة، وهي طريقة لإعاقة أنواع الرقابة التجارية الأكثر اقتحاماً وتجاوزاً للخصوصية، وفي الوقت ذاته الإبقاء على ازدهار وادي السيليكون.

وإذا أُقرت هذه القواعد في كاليفورنيا فقد تنتشر في بقية العالم

وقدم فرض هذه القواعد في كاليفورنيا، القلب النابض لصناعة التكنولوجيا، ميزة أخرى. فمن خلال عملية الاستفتاء التي جرت في كاليفورنيا، استطاعوا الابتعاد عن التشابك الكلي للمصالح، الذي وقف عقبة أمام مشروع قانون أوباما في واشنطن. وإذا نجحوا، يمكن للأثر أن يُحدث موجة تتجاوز حدود الولاية: إذ إن شركة في العالم أرادت أن يكون لها أعمال مع سكان كاليفورنيا البالغ عددهم 40 مليون نسمة -سوف تحتاج أن تسير وفقاً لقواعد كاليفورنيا.

فضَّل ماكتاغارت أن يقارنها بالمعايير الصارمة لكاليفورنيا التي تنظم الانبعاثات الناجمة عن السيارات، والتي أجبرت صنّاع السيارات في العالم على تطوير سيارات تستهلك وقوداً أحفورياً أقل.

لكن الأمر ليس بهذه السهولة فعدوانية الشركات قد توقفه.. ألينوي نموذجاً

لكن سلطاني عرف أيضاً مدى العدوانية التي تستخدم بها شركات التقنية علاقاتها في عواصم الولايات الأميركية.

في عام 2015، تقدم مستخدم بموقع فيسبوك يدعى كارلو ليكاتا بدعوى قضائية في ولاية إلينوي (أكبر مدنها هي شيكاغو إحدى أهم حواضر الأميركية)، مجادلاً بأن خاصية الوسم (Tagging) في الصور، التي تتعرَّف أوتوماتيكياً على هوية مستخدمي فيسبوك في الصور المرفوعة على الموقع، تنتهك حقوق الخصوصية.

تعتبر ولاية إلينوي من الولايات القليلة في أميركا التي لديها قانون صارم ينظم البيانات البيومترية، وهو قانون إلينوي لخصوصية المعلومات البيومترية لعام 2008، الذي ينص على أن ضرورة حصول الشركات على موافقة واضحة قبل جمع بصمات الأصابع، أو بصمات الصوت، أو «فحص هندسة اليد أو الكفين».

هذا القانون الذي يحمي البيانات ظهر قبل سيطرة وادي السيليكون على الولاية

يقول جاي إيدلسون،  وهو المحامي الذي أوكله المدعي ليكاتا في شيكاغو: «لدى إلينوي هذا القانون فقط؛ لأنها أدركت الحاجة لحماية المعلومات البيومترية قبل أن يبدأ وادي السيليكون في السيطرة على تشريع ولاية إلينوي».

تقدم مستخدمون آخرون لموقع فيسبوك في إلينوي بدعاوى قضائية مماثلة، أُدمجت كلها ورُفعت إلى محكمة فيدرالية في كاليفورنيا.

جادل فيسبوك بأن قانون إلينوي لم ينطبق تحديداً على طرقها للتعرف على الأشخاص في الصور. رفض القاضي زعم فيسبوك، وحكم في مايو/أيار 2016 باستمرار الدعوى القضائية.

وفجأة تقدم راعي قانون الخصوصية بتعديل غريب

وبعد أسابيع من ذلك، تقدَّم الراعي الأساسي لقانون الخصوصية في إلينوي، وهو مُشرّع ودود من منطقة شيكاغو يُدعى تيري لينك، بمقترح مفاجئ لتعديل القانون الذي اقترحه بنفسه.

أوضح التعديل أن الصور الرقمية لا تعتبر مصدراً للمعلومات الرقمية، وأن القانون كان يحمي فقط فحوصات الوجه التي تُجرى «بصورة شخصية». أخبرني مسؤول في موقع فيسبوك أن الشركة أمدت لينك باقتراحات لإيضاح القانون، وليس اللغة المستخدمة نفسها لصياغة التعديل.

إلا أن لينك تذكّر، خلال مقابلة حديثة، أن اللغة التي صِيغت بها التعديلات أُعطيت إليه مباشرة من محامٍ تابع لفيسبوك. (لم يحدد لينك المحامي ولم يعلق على السبب الذي جعله يسعى لإجراء التعديل في المقام الأول).

يقع مقر وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا الأميركية

وبكل تأكيد بدا التعديل، الذي أُدخل على القانون قبل أيام قليلة من نهاية الدورة التشريعية للعام، مفصّلاً لمصلحة الحجج التي تقدمت بها الشركات في الدعوى القضائية المقدمة في كاليفورنيا، وهو ما منح فيسبوك والشركات الأخرى حرية في تأسيس إمكانية فحص الوجوه من الصور الرقمية دون الحصول على موافقة.

في إجراء مبتذل، ألحق لينك تعديله على مشروع قانون كان قد نجح فعلياً في الحصول على موافقة المجلس التشريعي لتمريره، وهو قانون يتناول الإجراءات التي تتخذها الولاية للتعامل مع الممتلكات مجهولة الهوية.

بعد أن بدأت الجماعات المحلية للدفاع عن الخصوصية في العمل، سحب لينك التعديل.

لو تحقق هذا المسار القضائي ستخسر فيسبوك 40 مليار دولار.. ولذلك وسَّعت الشركات نطاق المعركة

وفي أبريل/نيسان من هذا العام 2018، أقر القاضي بأن قضية ليكاتا دعوى جماعية تنطبق على ثمانية ملايين مستخدم لفيسبوك في إلينوي. إذا خسرت فيسبوك القضية، يمكن أن تتعرض الشركة لحكم يكلفها مبلغاً يصل إلى 40 مليار دولار.

في مكان آخر، حققت صناعة التكنولوجيا مزيداً من النجاحات لرد هجمات الجهود التي تطالب بتنظيم خاصية التعرف على الوجوه. في العام الماضي، نظرت خمس ولايات أميركية على الأقل في تمرير تشريع ينظم الاستخدام التجاري للقياسات البيومترية.

ولم تمرر أي منها قانوناً في واقع الأمر فيما عدا واشنطن، وتضمن هذا القانون تحديداً الثغرة التي سعى أصحاب المصالح في صناعة التكنولوجيا لخلقها في إلينوي، مستبعدين «الصورة المادية أو الرقمية، أو التسجيل الصوتي أو المرئي، أو البيانات المتولدة من ذلك».

يغطي الاستثناء فحص الوجه، بل وأيضاً البصمات الصوتية، وهي نوعية التكنولوجيا التي تستخدمها أمازون، التي يقع مقرها في واشنطن، لدعم أليكسا، المساعد الرقمي الذي يحمل ميكروفوناً، وموجود في ملايين من منازل الأميركيين.

ولكن في كاليفورنيا الأمر مختلف.. مبادرة التصويت تدفع فيسبوك وجوجل لطلب التفاوض

وعلى الفور تقريباً بعد أن قدم ماكتاغارت وصديقه ريك أرني الصيغة النهائية لمبادرة التصويت إلى الولاية في نوفمبر/تشرين الثاني، أرسل المسؤولون في فيسبوك وجوجل طلبات مماثلة: هل يمكن أن نلتقي وجهاً لوجه لمناقشة المقترح؟ وكانت المرة الأولى التي يستقبل فيها ماكتاغارت وأرني إشعاراً من أي من الشركتين، وكان الابتهاج من الاستجابة مخيفاً بعض الشيء.

ولكن قرر كلاهما الحديث إلى الشركتين.

التقى أرني ثلاثة ممثلين لجوجل، بمن فيهم مفضل عزي، وهو معاون سابق في المجلس التشريعي للولاية يدير عمليات جماعات الضغط في كاليفورنيا لصالح جوجل.

تناولت المجموعة الغداء في غرفة خاصة بمطعم Wayfare Tavern في سان فرانسيكسو، وهو مطعم عصري وسط المدينة يضع على جدرانه رؤوساً محنطة لحيوانات.

السؤال الأول في اللقاء: مَن أنتم؟ والهدف التوجه للمجلس التشريعي

يتذكر أرني أن المسؤولين كانوا ودودين، لكنهم كانوا مشوّشين في الغالب، بل ومرتبكين قليلاً. أخبرني مؤخراً بابتسامة خفيفة: «الزاوية الأولى لجوجل كانت، رقم 1: مَن أنتم؟»، لم تسمع أي جهة في مجال التكنولوجيا من قبل عن أرني وماكتاغارت. ولم يستوعبوا أن يكترث خبير مالي ومُطوِّر عقاري كثيراً بمسألة الخصوصية.

حتى إن أحدهم سأل إذا كان أي من الرجلين سيرشح نفسه لمنصب ما؟ وفي نهاية المطاف، طُرحت الفكرة بأنهم يعملون جميعاً على بديل لمبادرة ماكتاغارت، وهو تشريع في ساكرامنتو عاصمة كاليفورنيا، حيث يمكن أن يحظوا جميعاً بالمدخلات. يقول أرني: «كانت فكرتهم أننا قادرون على إصلاح هذا في المجلس التشريعي للولاية».

ولكنْ هناك أمر بعينه يخيف فيسبوك.. حق المستهلكين في مقاضاتها بشأن الخصوصية

أخبرني ماكتاغارت أن فيسبوك كان لها على ما يبدو مخاوف مختلفة.

كان عم ماكتاغارت صديقاً لمسؤول سابق في مدينة سان فرانسيسكو ترك المنصب ليعمل في فيسبوك. تواصل الصديق لترتيب لقاء مع نائب رئيس فيسبوك للسياسات المحلية على صعيد الولاية، ويل كاسلبيري، وهو شخصية مخضرمة في صناعة الاتصالات والتكنولوجيا ذو صوت حاد وخشن.

عندما التقى كاسلبيري وماكتاغارت وأرني في مطعم مختلف بمنطقة سان فرانسيسكو في ديسمبر/كانون الأول، وجده ماكتاغارت رجلاً آسراً وصادقاً. قال ماكتاغارت لاحقاً: «أخبرنا كثير من الناس الذين تحدثنا إليهم أن هؤلاء الأشخاص أشرار. لكنهم بدوا لطفاء».

امتدح كاسلبيري مقترح ماكتاغارت، لكنه تساءل ما إذا كان عازماً على إعادة صياغته. وقال إن القلق الرئيسي لدى فيسبوك كان سمةً في المقترح تسمى «الحق الخاص في رفع دعوى». على عكس مشروع قانون أوباما، الذي ترك أغلب الأجزاء المتعلقة بإنفاذ القانون للجنة التجارة الفيدرالية، اقترح ماكتاغارت السماح للمستهلكين بمقاضاة الشركات التي انتهكت القانون (ضمت إلينوي مثل هذا الحق ضمن قانون القياسات البيومترية الخاص بها، وهو ما أتاح لليكاتا مقاضاة فيسبوك).

انتاب فيسبوك خوف من أنه إذا تُركت تأويلات نصوص القواعد الجديدة للمحلفين، وليس للمُشرِّعين، يمكن أن يستغرق الأمر أعواماً كي تتحدد فقط ماهية التزامات الامتثال للشركات. فسر كاسلبيري الأمر لي قائلاً: «نحن ندعم مزيداً من الإفصاح من حيث المبدأ. لكن المخاطر تكون أكبر فقط مع الحق الخاص في رفع الدعوى».

والغريب أن ماكتاغارت كان متعاطفاً معها، ففي النهاية هو رجل أعمال

أراد ماكتاغارت التأكد من وجود أنياب لمشروع القانون الذي يعمل عليه. لكنه قال نظراً إلى أنه رجل أعمال، فقد كان متعاطفاً مع مخاوف فيسبوك.

واستحث فيسبوك لأن ترسل إليه بعض الصياغات البديلة. يتذكر ماكتاغارت: «يا إلهي، فكرنا أنه إذا عادت فيسبوك بشيء منطقي، فيمكننا دعمه، ويكون الموقف مُرضياً لكل الأطراف».

ولكن بينما ينتظر الرد، كانت شركات التكنولوجيا والصناعات المعتمدة على البيانات المجانية تتأهب لسحقه

في يناير/كانون الثاني 2018، تقدمت الغرفة التجارية في كاليفورنيا بورقة عمل لتسجيل مجموعة تسمى لجنة حماية وظائف كاليفورنيا «Committee to Protect California Jobs».

جمعت اللجنة بعد فترة وجيزة إسهامات بملايين الدولارات من فيسبوك وجوجل وثلاثة من أكبر مقدّمي خدمات الإنترنت في البلاد، وهي كومكاست، وفيرايزون وايرلس، وإيه تي آند تي. دُفعت الأموال لإجراء تصويت، وهو ما أوضح أن سكان كاليفورنيا كان لديهم فعلياً مخاوف كبيرة حول الخصوصية.

كان وادي السيليكون يتأهب للمعركة عبر توكيل الديمقراطية جيل كوفمان، وهي خبيرة استفتاءات تحظى باحترام كبير ولديها علاقات وثيقة الصلة مع الاتحادات العمالية في الولاية. عينت المجموعة أيضاً الديمقراطي ستيفن مافيليو، وهو مستشار بارز في العلاقات العامة تضم قائمة عملائه ديمقراطياً آخر، وهو المتحدث باسم برلمان كاليفورنيا.

لم يكتشف ماكتاغارت وفريقه ما الذي يحدث حتى مارس/آذار 2018، عندما طُلِبَ من لجنة حماية وظائف كاليفورنيا أن تفصح عن حجم إنفاقها وهوية مانحيها. اعتقد ماكتاغارت وأرني أن خصومهما ارتكبوا حماقة: لقد أظهروا ما في جعبتهم قبل أن تصبح مبادرة ماكتاغارت مؤهلة حتى للوصول إلى التصويت في الخريف.

والمعركة المنتظرة بدت قبيحة حتى إنهم اتهموه بعرقلة القبض على المجرمين

فقد كتب مافيليو في تغريدة: «توظيف كامل لمحامي مرافعات؛ وذلك مجرد رأس الجبل الجليدي لهذا الإجراء رديء الصياغة الذي عمل عليه أحد المليونيرات»( في إشارة إلى ماكتاغارت).

وخلال أسابيع قليلة، كانت اللجنة تتداول نقاط حوار مع مأموري الشرطة والمدعين العامين في كاليفورنيا، زاعمة أن مقترح ماكتاغارت سيصعب على رجال الشرطة إحباط عمليات الاختطاف أو التعقب السريع للمجرمين من أمثال مطلق النار في سان برناردينو.

يتذكر ماكتاغارت: «كان الأمر بمثابة: مرحباً بك في المعترك. وكان تذكيراً بمدى صغر حجمنا. كانت هذه أكبر الشركات في العالم».

ولوَّحوا بإنفاق أموال تفوق قدراته بكثير

عرف ماكتاغارت أيضاً أنه في الوقت الذي أنفق فيه أقل من مليوني دولار حتى هذا الوقت في حملته، لم تكن أموال شركات التكنولوجيا والاتصالات إلا مجرد بداية.

حذره مستشاروه من أن لجنة حماية وظائف كاليفورنيا ستكون قد جمعت على الأرجح 100 مليون دولار على الأقل بحلول يوم الانتخابات.

كان ماكتاغارت ثرياً، لكنه لم يكُن بهذا القدر من الثراء.

ولكن فجأة صدر إعلان من فيسبوك غيَّر كل شيء.. إنها الفضيحة الكبرى

في شهر مارس/آذار 2018، عندما كان جامعو الأصوات في حملة ماكتاغارت يجمعون التوقيعات لقبول إجراء التصويت في نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت فيسبوك إعلاناً مفاجئاً، وهو إعلان سيغيّر كل شيء.

في بيان نُشر على موقعها مساء أحد أيام الجمعة، قالت الشركة إنها كانت تعلق أعمال شركة تحليلات سياسية تسمى كامبريدج أناليتيكا على منصتها بعد أن «استقبلت تقارير» تفيد بأن كامبريدج أناليتيكا حصلت بطريقة غير ملائمة على بيانات حول مستخدمي فيسبوك وأبقت على هذه البيانات.

اتضح مصدر هذه التقارير في اليوم التالي، عندما كشف صحافيون في صحيفة The Times وصحيفة The Observer of London عن أن متعاقداً يعمل لصالح كامبريدج أناليتيكا حصل على معلوماتٍ شخصية لأكثر من 50 مليون مستخدم بموقع فيسبوك، مستغلاً أنشطة التواصل الاجتماعي لشريحة ضخمة من الناخبين الأميركيين، مما يحتمل أنه تسبب في انتهاك قانون الانتخابات في الولايات المتحدة.

وخلال أسابيع، اعترفت فيسبوك بأن ما يصل إلى 87 مليون مستخدم يمكن أن يكون قد تأثروا بهذا، وهو ما شكّل واحداً من أكبر تسريبات البيانات المعروفة في تاريخ الشركة.

اجتيحت فيسبوك بفضيحة كامبريدج أناليتيكا، مما أدى إلى اهتزاز أسعار أسهم الشركة، وأثار أسوأ أزمة في تاريخ الشركة. طالما تفاخر المسؤولون في شركة كامبريدج أناليتيكا حول نشر توصيفات ذات «بيانات نفسية» مؤثرة عن المصوتّين من أجل التلاعب بأهواء الناخبين. والآن كانت فيسبوك مجبرة على الاعتراف بأن كامبريدج أناليتيكا استخدمت البيانات الشخصية للناخبين على فيسبوك للقيام بذلك. لم يكن الضرر قانونياً وسياسياً فقط – فقد واجهت فيسبوك دعاوى قضائية واستفسارات من الجهات التنظيمية في بروكسل، ولندن، وواشنطن .

كانت فيسبوك مجبرة على الاعتراف بأن كامبريدج أناليتيكا استخدمت البيانات الشخصية للناخبين

إذاً لِم تعد شركات التكنولوجيا هي «الأخيار».. والنتيجة سيل من التوقيعات

لكن الضرر طال سمعتها أيضاً. فالصورة العامة لوادي السيليكون نجت من تسريبات سنودن. لكن شركات التكنولوجيا، المتورطة فعلياً في نشر «الأخبار الزائفة» والتدخل الروسي في انتخابات 2016، لم تعد الشركات الأخيار. عندما اصطحب أرني أحد أبنائه لجمع التوقيعات في القطار أصبح فجأة من السهل الحصول على توقيعات الناس على عريضتهم الداعية لإجراء التصويت. أخبرني أرني: «بعد فضيحة كامبريدج أناليتيكا، أصبح كل ما علينا قوله هو خصوصية البيانات».

أجبرت الفضيحة فيسبوك أن تتعامل بجدية أكبر مع الشكاوى بشأن الخصوصية – أو على الأقل أن تبدو أنها فعلت ذلك.

أخبر مارك زوكربيرغ، المدير التنفيذي لفيسبوك، قناة CNN: «لست متأكداً إذا كان لا يجب أن نخضع للتنظيمات».

كما سارع ماكتاغارت بالهجوم.. وبالفعل سحبت فيسبوك دعمها للجنة حماية وظائف كاليفورنيا

استغل ماكتاغارت هذه الأفضلية ونشر خطاباً مفتوحاً اتهم فيه زوكربيرغ بتضليل مستخدمي فيسبوك، ثم طالب من وسائل الإعلام أن تذكرهم بأن شركة زوكربيرغ كانت في تلك اللحظة تقدم دعماً مالياً لحملة من أجل إيقاف قوانين الخصوصية في كاليفورنيا. وعندما مثُل زوكربيرغ أمام الكونغرس في أبريل/نيسان، بدا نادماً مرة أخرى. أخبر زوكربيرغ المُشرِّعين: «لم نتبنَّ رؤية واسعة بما يكفي لمسؤوليتنا، وكان ذلك خطأً كبيراً». في اليوم التالي، أعلنت فيسبوك أنها لن تسهم بعد الآن بأموال ممنوحة إلى لجنة حماية وظائف كاليفورنيا.

ولكن الرجل واجه ازدراء من قبل حماة الخصوصية في البلاد لأنهم رأوا مبادرته قاصرة

غير أنه حتى عندما جمع العاملون في حملته التوقيعات من الناخبين في الولاية، واجه ماكتاغارت ازدراءً تقريباً من كل مجموعة بارزة في مجال الخصوصية بالبلاد.

ومثل أي حركة أخرى، ضم عالم خبراء الخصوصية المتطرفين والمعتدلين، والخلافات والانقسامات. في أعقاب تسريبات كامبريدج أناليتيكا، طالب بعض المدافعين عن الخصوصية في واشنطن وكاليفورنيا بقوانين، على شاكلة النظام الأوروبي لحماية البيانات، كانت أشمل مما اقترح ماكتاغارت.

قال بعض المدافعين عن الخصوصية لكاتب المقال إنهم شعروا بالخوف من أن مبادرته ستزاحم مبادرتهم، ذات المقترحات الأشمل.

ففي حين أتاحت مبادرة ماكتاغارت للمستهلكين «اختيار عدم تطبيق» بيع البيانات بين الشركات، تطلب النظام الأوروبي لحماية البيانات، الذي سرى في جميع أنحاء القارة في مايو/أيار، أن تحصل الشركات على إذن من المستهلكين أولاً من أجل جمع المعلومات.

وبمجرد موافقة الناخبين على مبادرة ماكتاغارت، أشار هؤلاء النقاد إلى أن مُشرِّعي كاليفورنيا سيحتاجون إلى حشد أغلبية ساحقة بعيدة المنال من أجل تعديلها.

حتى أن إحدى المنظمات التي يفترض أنها في صفه تلقت دعماً من منافسيه

لم تؤيد مؤسسة الجبهة الإلكترونية، وهي جماعة دعوة معروفة في سان فرانسيسكو، مقترح ماكتاغارت. وكذلك لم يؤيده الاتحاد الأميركي للحريات المدنية أو مجموعة عمل Common Sense Kids Action، وهو مجموعة مؤثرة تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها، وكانت قد مارست ضغطاً لتقييد جمع بيانات الأطفال.

كتبت سامانثا كوربن، وهي من المشاركين في جماعات الضغط بساكرامنتو وتؤيد Common Sense Kids Action ومؤسسة الجبهة الإلكترونية، تغريدة في أواخر مارس/آذار بأنه لا ينبغي أن تدعم مقترح ماكتاغارت لأنه لم يطلب من الشركات أن تحصل على إذن من الأشخاص من أجل استخدام بياناتهم. وكتبت كوربن في تغريداتها: «الموافقة المُبلَغَة لاستخدام البيانات الشخصية ضرورية للخصوصية والديمقراطية».

لم تذكر كوربن العميل الجديد لشركتها: لجنة حماية وظائف كاليفورنيا. ونظراً إلى أنها مازالت تعمل من أجل داعميها الباقين، عينت اللجنة شركة كوربن في فبراير/شباط.

أشارت كوربن إلى أن ائتلاف الصناعة أراد منها إمدادهم بنظرة شاملة حول قواعد الخصوصية الموجودة، فضلاً عن التسويات المحتملة مع نشطاء الخصوصية الآخرين، وهو تحرك يمكن أن يزيد من عزلة ماكتاغارت.

إذ إن مثل هذا التحالف سيكون غير مسبوق كلياً. بالرغم من الاختلافات حول قواعد المستهلكين، أسهمت شركات التكنولوجيا بملايين الدولارات لمجموعات على شاكلة مؤسسة الجبهة الإلكترونية ومركز الديمقراطية والتكنولوجيا ومقره واشنطن، فيما تعاونت مع بعض منها تعاوناً وثيقاً للضغط لتطبيق إصلاحات رقابية لحقبة ما بعد تسريبات سنودن. عندما سألتها عن الأموال المدفوعة أخبرتني كوربن عن طريق البريد الإلكتروني: «أحياناً تنتج السياسة شراكات غريبة. يمكنني أن أخبرك بأن هناك كثيراً ليشغل الصناعة ومجموعات الخصوصية على السواء حول مبادرة التصويت».

والآن ها هي الشركات تطلب منهم مقترحاً بديلاً لمبادرة ماكتاغارت

تواصلت فيسبوك من جانبها مع مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، وطلبت من كبيرة خبراء المركز في مجال حماية خصوصية البيانات، ميشيل دي موي، المساعدة في تطوير بديل لمقترح ماكتاغارت؛ أي صيغة يمكن تقديمها إلى المُشرِّعين في ساكرامنتو، لتُستبدل بمقترح ماكتاغارت أو تسبقه.

أخبرتني دي موي بأنه بعد المناقشات الأولية رفضت التعاون معهم، ويعزى ذلك جزئياً إلى أن ماكتاغارت لم يبدُ مهتماً بالتوصل إلى تسوية أخرى، بل وأيضاً لأن كفة نجاحه بدت راجحة.

قالت دي موي معلقة على مساعي فيسبوك: «كانوا يبحثون عن خيارات. وفي نهاية المطاف ظل مركز الديمقراطية والتكنولوجيا محايداً».

ثم تقدمت فيسبوك بمقترحها الخاص.. إنه يميزها حقاً

اختارت فيسبوك تلك اللحظة لتقدم طعناً مباشراً في وجه ماكتاغارت. طورت الشركة مقترحاً تشريعياً مضاداً، وهو ما أرسله ويل كاسلبيري إلى ماكتاغارت في أبريل/نيسان عبر البريد الإلكتروني، حسبما قالت دي موي. قرأ ماكتاغارت الرسالة على متن إحدى الطائرات، عندما كان عائداً من حفل تأبين في كندا. فلم يكن منبهراً. فقد كان المقترح غامضاً حول البيانات التي تُجمع من الهواتف الجوالة، وظهر أنه يستثني الشبكة الخاصة بفيسبوك من أزرار «الإعجاب» و»المشاركة» على الإنترنت، وهي إحدى الوسائل الرئيسية للشركة لتتبع المستهلكين عندما لا يكونون على فيسبوك.

وبالرغم من أنه وضع حدوداً على بيع البيانات، أتاح على ما يبدو للشركات أن تعقد صفقات لمبادلة البيانات ذهاباً وإياباً، وهو ما يشكل ثغرة رئيسية محتملة.

وماكتاغارت لم يرغب في تبديد أمواله أو خوض معركة فهو مجرد مطور عقاري

غير أن ماكتاغارت لم يرغب في تبديد أمواله على معركة تصويت إذا كان قادراً على الحصول على اتفاق في ساكرامنتو (عاصمة كاليفورنيا).

ولكن لمَّا بدت مبادرته متأكدة من الحصول على أهلية للتصويت، تجدد اهتمام المُشرِّعين في ساكرامنتو لتمرير مشروع القانون الخاص بهم حول الخصوصية.

كانت بعض جماعات الخصوصية، بما فيها مجموعة عمل Common Sense Kids Action، تتفاوض بالفعل معهم.

قال ماكتاغارت لاحقاً ليصف طريقة تفكيره: «إنني مُطوِّر عقاري. فلم أحصل أبداً على كل شيء أريده. إذا مرر المجلس التشريعي مشروع القانون الخاص بي بأكمله، فأنا على ما يرام. وإذا كان تقريباً جيد، فبالتأكيد (أنا على ما يرام). من يحتاج خوض معركة (فقط) من أجل أن يكون له معركة؟».

ولكن بفضل خداع زوكربيرغ ها هم يسجلون أكثر من 629 ألف توقيع لتأهيل المبادرة أي ضعف ما تحتاجه

بعد أسابيع قليلة، كان لدى كاتب التقرير موعد غداء مع ماكتاغارت وأرني في مطعم سوشي بالقرب من المجلس التشريعي للولاية. انضمت إليهم روبن سوانسون، مستشارة حملة ماكتاغارت، وهي من كبار المساعدين السابقين في المجلس التشريعي.

كان الجميع في حالة مزاجية جيدة. فقد سجلوا مؤخراً أكثر من 629 ألف توقيع لتأهيل مبادرة التصويت التي دشنها ماكتاغارت، أي تقريباً ضعف الحد الأدنى المطلوب، إضافة إلى أن مرشحاً جمهورياً لمنصب حاكم الولاية أيد مقترحه خلال مناظرة عامة، ما أدهش حتى ماكتاغارت نفسه. إذ قال: «ساعدتنا شهادة زوكربيرغ. إنه يمتلك الاسم (المعروف)، والوجه (المعروف). وقد خدع 87 مليون شخص».

ورغم ذلك عرض على المشرعين تسوية بشرط واحد

ومع ذلك، كان ماكتاغارت عازماً على الدخول في تسوية. فقد أخبر مُشرِّعي كاليفورنيا بأنه سيوقف حملته إذا تمكنوا من تمرير مشروع قانون منطقي حول الخصوصية بحلول 20 يونيو/حزيران، وهو الموعد القانوني لبدء مرحلة اللاعودة فيما يتعلق بانسحاب مبادرته قانونياً من التصويت.

كان مقرراً أن يلتقي ماكتاغارت وفريقه إد تشاو، وهو مُشرِّع دمث الأخلاق من خارج لوس أنجلوس ويقود لجنة المجلس المختص بالخصوصية وحماية المستهلكين. عُيِّن تشاو كبيراً لمفاوضي المجلس فيما يتعلق باتفاق محتمل بين القائمين على صناعة التكنولوجيا والمدافعين عن الخصوصية. وبعد الغداء، سرنا جميعاً نحو مبنى المجلس التشريعي للولاية ودخلنا مكتب تشاو في الدور الخامس، حيث تعهد طاقم العمل بإمداد ماكتاغارت بتحديث حول المفاوضات.

والآن هو يلتقي بطلاً مشابهاً له خسر محاولة مماثلة

وضع عديد من المدافعين عن الخصوصية في كاليفورنيا تشاو في وضع البطل بالنسبة إليهم. في عام 2017، حاول تمرير مشروع قانون كان سيطلب من شركات الاتصالات ومقدمي خدمات الإنترنت أن يحصلوا على موافقة المستهلكين قبل بيع تاريخ التصفح الخاص بهم وكذلك البيانات الشخصية الحساسة.

كان مشروع القانون، الذي عُرف بـ AB 375، مصمماً ليكون تكراراً لقانون شهير يعود إلى عهد أوباما، وانقلب عليه ترمب والجمهوريون في الكونغرس خلال الأشهر الأولى لترمب في المنصب. من أجل ضمان إتمامه في أسرع وقت، استخدم تشاو نفس التكتيك الذي استخدمته صناعة التكنولوجيا في إلينوي، أي تفريغ مشروع قانون مختلف كان قد مرّ بالفعل من المجلس وإدخال بنود الخصوصية واسعة النطاق. وتعهد في مؤتمر صحافي قائلاً: «ستستعيد كاليفورنيا ما جردته واشنطن».

لكن مشروع القانون الخاص بتشاو واجه سلسلة من العقبات. كان قائد مجلس الشيوخ في الولاية آنذاك كيفن دي ليون، وهو ديمقراطي بارز وطموح من لوس أنجلوس. ونظراً إلى أن تشاو استبدل قانوناً جديداً كلياً بقانونه الأصلي، طالبت لجنة القواعد التي يقودها دي ليون في البداية أن يحظى التشريع بـ»إحالة ثلاثية»، وهي مناورة تشريعية نادرة يحق بموجبها لثلاث لجان مختلفة أن تفحص مشروع القانون وتوافق عليه.

وفي نهاية المطاف، احتاج إلى الحصول على موافقة من لجنتين فقط، وعندما نجا مشروع القانون من تلك الإحالة، تولى قادة الديمقراطيين التشريع وبدأوا في مراجعته، وأبقوا على تشاو ومجموعات الخصوصية خارج هذه العملية إلى حد كبير. وفي الأيام المتبقية من الدورة التشريعية للعام الماضي، وقع ائتلاف ضخم من المجموعات الصناعية، ووسطاء البيانات، وشركات التقنية على خطاب مشتركيعارض تشريع الخصوصية.

رغم أنه ديمقراطي تقدمي، لماذا أجهض هذا المشروع؟

اعتقد بعض المدافعين عن الخصوصية أن دي ليون كان يتعمد نصب فخاخ لإفشال تشريع تشاو.

بالرغم من أن دي ليون ديمقراطي تقدمي -يسعى دي ليون الآن لتجريد زميلته في الحزب الديمقراطي، ديان فاينستاين، من مقعدها بمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية كاليفورنيا كي يحصل على المنصب- فقد كانت له أيضاً علاقة طويلة مع شركة إيه تي آند تي، من بين الشركات الأكثر رهبة ونفوذاً في ساكرامنتو. ونظراً إلى أنه زعيم مجلس شيوخ الولاية، كان دي ليون مسؤولاً عن الصحة وحجم الأغلبية الديمقراطية في الغرفة، وكانت صناعتا الاتصالات والتكنولوجيا مصدراً هاماً لحصول حملته على المال (عيَّنَت شركة إيه تي آند تي أيضاً واحداً على الأقل من كبار مستشاري دي ليون بين المجموعة الكبيرة من جماعات الضغط التي تعمل لصالحها).

تجاهل أغلب ديمقراطيي الغرفة المرور على السجلات التي تؤيد أو تعارض مشروع القانون AB375، خوفاً من إغضاب أكثر الشركات نفوذاً في الولاية أو المصوتين المناهضين لترمب المعنيين بالخصوصية. لم يصل مشروع القانون أبداً إلى ما هو أبعد من ذلك، ليجنبهم تصويتاً مريراً. إلا أن السبب وراء نهايته يبقى غامضاً.

وقال دان ريفز، أحد مساعدي دي ليون لكاتب التقرير: «لقد قلنا: إذا أراد واضع مشروع القانون تصويتاً، فسنطرحه من أجل التصويت. ولم نسمع منه مطلقاً». يقول تشاو إنه طلب تصويتاً. ويضيف: «كانت الاستجابة من القيادة آنذاك بأننا لا نملك الدعم»).

والآن ها هم يحاولون مساومة ماكتاغارت عبر مشروع تشاو .. فحتى هذا البطل يبدو أنه نبذ حليفه المفترض

ولدى تشاو الآن فرصة ثانية. فقد بث القادة الديمقراطيون الحياة في تشريعه، فجعلوا من نسخة معدلة لقانون AB 375 مطيةً لإجراء تسوية محتملة مع ماكتاغارت.

ولكن عندما وصلنا إلى مكتبه، بدا تشاو سقيماً وهادئ النفس. وأخبرهما بأنه لم يسمع بعد من فيسبوك أو جوجل، ولم يعرف حقاً ما هو موقفهم.

كان تشاو يتحدث بتعميمات مُلَطَّفة؛ إذ قال: «إننا في عملية الوصول إلى جميع أصحاب المصلحة لنرى ما إذا كنا قادرين على بناء توافق في الآراء». سأل ماكتاغارت إذا كانت شركات التكنولوجيا تبدو منطقية. كرر تشاو كلماته، وعلقت بوجهة ابتسامة متوترة، وقال: «إننا نحاول التواصل مع جميع أصحاب المصلحة». وبعد 15 دقيقة، قاطع مساعد تشاو الحديث ليقول إن لديه اجتماعاً آخر.

بوقل كاتب التقرير :خرجنا من المكتب. لكن لم يبدو أن هناك شخصاً آخر يجلس في غرفة انتظار تشاو.

وبدا صمت شركات التكنولوجيا مقلقاً

وخارج البناية صُعق ماكتاغارت من تملص تشاو، وانتابه القلق من الصمت الظاهري لشركات التكنولوجيا.

كان من الممكن أن تكون الشركات قد تخلت عن التسوية. وكان ممكناً أيضاً أن كل جهة تمارس لعبة أكثر تعقيداً. لم يرغب مُشرِّعو الولاية في التنازل عن سلطة صياغة السياسة لصالح ماكتاغارت، وبغضت شركات التكنولوجيا مبادرته بغضاً شديداً لدرجة أنهم ربما يعتزمون الوصول إلى تسوية منطقية مع المجلس التشريعي بدلاً من ذلك.

نشطاء وادي السيليكون الذين تحدوا كبرى الشركات

إذا كان القادة الديمقراطيون مكترثين، فيمكنهم ابتكار حل يرضي جميع الأطراف: مشروع قانون يمكن أن يقبله ماكتاغارت والصناعة، ويمتدحه نشطاء الخصوصية ويحصل المُشرِّعون على الفضل في صياغته. بيد أن ماكتاغارت انتابه الغضب من التأجيلات والسرية. كان الموعد النهائي لمبادرته يقترب بسرعة. وقال: «إن الوقت يضيع».

إنهم يعرفون عنا كل شيء ولكن حان الوقت لمحاسبتهم

يقول كاتب التقرير: صعدنا على متن سيارة ماكتاغارت الرياضية وتوجهنا نحو أوكلاند. وسألته ما إذا كان يعتقد أن تشاو كان قادراً على تسليم مشروع قانون يمكن أن يرضيه ويمرره المجلس التشريعي رغم ذلك.

إلا أن ماكتاغارت تعامل مع سؤالي بشكل أكثر توسعاً وأكثر شخصية: فماذا سيحدث إذا فشل؟ قال ماكتاغارت وهو يقود السيارة: «تعلم هذه الشركات كثيراً عنك. وكلما يمر الوقت يسوء الأمر أكثر فأكثر». مع اقترابنا من أوكلاند، مررنا بالسيارة بجوار معمل تكرير Benicia، وهو جبل صغير من الأنابيب وأبراج التقطير التي تظهر في الأفق أعلى مدخل خليج سان فرانسيسكو. أشار ماكتاغارت إلى أن المعمل، الذي شُيِّد في الأساس لشركة Exxon في الستينات، لم يكن ليُبنى في عصرنا هذا، في ظل القوانين الصارمة المتعلقة بالتأثيرات البيئية. أوضح ماكتاغارت أن حركات الإصلاحات في العصور السابقة كانت تحاول كبح جماح الست الكبار في مجال النفط. لقد حان الوقت لكبار شركات التكنولوجيا أن تواجه حساباً مماثلاً.

والآن تبين له الخطوط الحمراء لشركات التكنولوجيا

في أغلب أوقات شهر مايو/أيار، كان تشاو ونظيره في مجلس الشيوخ بكاليفورنيا، وهو مُشرِّع يُدعى روبرت هيرتزبيرغ، يبذلون محاولات بهدوء من أجل التفاوض على تسوية.

هددت جماعات الضغط المؤيدة للصناعة تهديداً قاطعاً بقتل أي مشروع قانون ذي حق خاص في رفع الدعوى. واعترضوا أيضاً على إجبار الشركات على الإفصاح عن أسماء ومعلومات الاتصال الخاصة بكل طرف ثالث يتبادلون البيانات معه، زاعمين أنه سيكون عبئاً مستحيلاً. (قال تشاو لاحقاً: «كان الحق الخاص في رفع الدعوى شيئاً لم يفضله كثير من أصحاب المصالح. وتلك عبارة صحيحة»).

ثم رفض ماكتاغارت مقترحهم

في يونيو/حزيران 2018، أرسل المُشرِّعان أول مسودة قانون لهما إلى ماكتاغارت. ولم يكن مسروراً بها. قال ماكتاغارت: «أرسلوا إلي مسودة قانون دون أي إلزام. لم يكن هناك أي إبداع حول طريقة حل المشكلة». فقال لهم ماكتاغارت: كلا.

وبدأ يلوح أمام بعض الناس على الأقل أن تصويت ماكتاغارت ربما يكون الأهم. ودونه، كانت مبادرة ماكتاغارت ستمضي قدماً. ولن يكون هناك موقف يرضي جميع الأطراف.

أراد هيرتزبيرغ، على وجه الخصوص، التوصل إلى اتفاق حقاً. وفي الوقت الذي يبدو فيه تشاو بسيطاً، فإن هيرتزبيرغ، الذي يمثل وادي سان فرانسيسكو، كان فصيحاً ومثابراً، ذا شعرٍ أملس ممشط إلى الوراء .

فاقترحوا عليه أن يصيغ القانون بنفسه.. وبالفعل توصل لحلول وسط

قال هيرتزبيرغ: «اتصلت بالستير – كان لدينا أصدقاء مشتركون». اقترح هيرتزبيرغ أن يمسك ماكتاغارت نفسه بالقلم بين أصابعه. وأخبره بأن يصيغها بالطريقة التي يفضلها، وأنه سينقلها إلى القائمين على الصناعة. في يوم أربعاء أواسط شهر يونيو/حزيران، ذهب ماكتاغارت إلى  مكتب محاميه وبدأ في مكالمة هاتفية مع مجموعة صغيرة من المفاوضين، ومن بينهم هيرتزبيرغ وتشاو ومستشار لمجموعة Common Sense Kids Action.

وبعد 12 ساعة توصَّلا إلى اتفاق، وافق ماكتاغارت ومجموعة Common Sense Action Group على تأييده. أرسل هيرتزبيرغ وتشاو ما جرى التوصل إليه إلى محاميي المجلس التشريعي لصياغته رسمياً في صورة مشروع قانون.

اتفق ماكتاغرات على تقليص حجم أكبر عصا لديه: كان الحق الخاص في رفع الدعوى سيسمح للمستهلك برفع دعوى قضائية فقط في حالة انتهاك البيانات التقليدية، مثلما يحدث عندما تُسرق المعلومات الشخصية لبطاقتك الائتمانية. وبدلاً من تحديد اسم كل طرف ثالث يشاركون بياناتك معه، كان سيتوجب على الشركات الإفصاح فقط عن أنواع البيانات التي يشاركونها، وهو التزام تلتزم به الشركات فعلياً تجاه المستهلك الأوروبي بموجب النظام الأوروبي لحماية البيانات.

فهاجمه العديد من جماعات حماية الخصوصية، لكنه يرى أن جوهر مبادرته مصاناً

كره عديد من ناشطي الخصوصية الاتفاق، وبعض من نفس المجموعات التي رفضت دعم ماكتاغارت هاجمته الآن على التوصل إلى تسوية. وكان الاتحاد الأميركي للحريات المدنية ومؤسسة الجبهة الإلكترونية، اللذان يعتمدان بقوة على القضايا المدنية لكسب معارك التأييد والدعوة، منزعجين على نحو خاص من التضييق على الحق الخاص في رفع الدعوة.

ولكن حسبما ارتأى ماكتاغارت، لا يزال جوهر مبادرته مُصاناً؛ بل وتعززت قوته بطريقة ما. الآن يمكنك أن ترى تماماً ما المعلومات والبيانات التي جمعها عنك وادي السيليكون والوسطاء.

ولا يزال لديك قدرة على طلب وقف بيع بياناتك أو مبادلتها. وإذا رفضوا، يمكن أن يحقق المدعي العام ويفرض غرامات.

وأنها ستخلق القانون الأكثر صرامة في البلاد وستجعل كاليفورنيا تراقب الصناعة بأكملها

وحتى مع هذه الصيغة المنقوصة اعتقد ماكتاغارت وسلطاني أن هذا سيكون قانون خصوصية المستهلكين الأكثر صرامة في البلاد؛ والخطوة الأكثر تأثيراً في أعوام قُضيت من أجل تنظيم أنشطة رأسماليي الرقابة، وإثباتاً لصحة المفهوم للنشطاء والصناعة على السواء. وإذا مُرِّرَ، لن تزعم صناعة التكنولوجيا بعد الآن أن لا أحد اكترث بمسألة الخصوصية، أو أن قواعد ضبط البيانات يمكن أن تقتل الوظائف، أو أنها شكلت تحدياً كبيراً من الناحية التقنية. يمكن للمدعي العام في كاليفورنيا أن يراقب ويسيطر على الصناعة بأكملها، في الوقت الذي تعمل فيه ولايات أخرى على صياغة نسخها من القواعد. جادل ماكتاغارت: «بموجب هذا القانون سيصبح المدعي العام لكاليفورنيا المسؤول الرئيسي عن الخصوصية في الولايات المتحدة الأميركية». وفي نهاية المطاف، يمكن أن تعيد صناعة التكنولوجيا مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات في واشنطن، أملاً في الوصول إلى معيار قومي واحد.

وبدا أن الشركات في حاجة لحملة سلبية ضخمة لقتل المشروع

دعا هيرتزبيرغ في الصباح التالي جماعات الضغط التكنولوجية لعقد اجتماع. وشرح أنهم كان لديهم خيار محدود. فيمكنهم أن يقبلوا بالاتفاق، أو يحظوا بفرصهم مع ماكتاغارت في تصويت الخريف. أخبر هيرتزبيرغ جماعات الضغط بأنهم على الأرجح قد يخيفون زملاءه ويضطرونهم لقتل مشروع القانون كذلك. غير أن مبادرة ماكتارغات كانت تجمع أصواتاً كثيرة بصورة استثنائية. ومن ثم فإن هزيمته في نوفمبر/تشرين الثاني سوف تتطلب من صناعة التكنولوجيا وحلفائها -شركات الاتصالات، ووسطاء البيانات، والشركات المالية وتجار التجزئة الذين يستخدمون البيانات من أجل إعلاناتهم- أن تبدأ حملة سلبية ضخمة، ذات كلفة كبيرة ستؤثر على سمعتها.

قال هيرتزبيرغ لاحقاً في ذلك اليوم لكاتب التقرير: «وإذا فعلوا ذلك، فسوف نعود هنا مرة أخرى في العام القادم».

ولكن ها هم يخدعونه مرة أخرى بتفصيلة صغيرة يصعب ملاحظتها

انتهى أعضاء المجلس التشريعي من إعادة صياغة قانون AB 375، وبدا أن هناك اتفاقاً وشيكاً.

وفي تلك الجمعة، عندما شرب قهوته الصباحية، قرر ماكتاغارت أن يقرأ مشروع القانون الجديد -أي النسخة الواضحة- مرة أخرى. ولاحظ تغييراً يبدو طفيفاً في فصل واحد، وهو من نوعية الأشياء التي سيتجاوزها أغلب الأشخاص.

أدرك ماكتاغارت أنه كان سيُفرِّغ تماماً ما تبقى من الحق الخاص في رفع الدعوى.

فقرر ماكتاغارت إنهاء الاتفاق ولكنهم أصلحوا الخطأ

انتاب الغضب ماكتاغارت، وهاتف هيرتزبيرغ وتشاو وأخبرهم أن الاتفاق قد انتهى. لم يتمكن أي من المُشرِّعين توضيح من فعل هذا التغيير، حسبما أخبرني، لكن هيرتزبيرغ هرع لإصلاحه.

قال هيرتزبيرغ لكاتب التقرير مؤخراً: «إنك تتحدث في أغلب المفاوضات إلى جميع هذه الجماعات ذات المصالح المختلفة. وهو موقف نضطر فيه أن نذهب ونتواصل مع كل طرف ونجلب تلك المعلومات إلى ماكتاغارت ونسأله ما الذي يريد أن يفعله». وفي صباح الاثنين، عاد الاتفاق مرة أخرى.

وتبين أن هذا الرجل استخدم نفس أساليبهم..  إما أن تقبل أو تغادر

وفي ذلك الثلاثاء، ألمحت فيسبوك إلى أنها لن تخوض معركة ضد مشروع القانون. وفي بيان أُرسل عبر البريد الإلكتروني إلى الصحفيين، قال ويل كاسلبيري إنه «بالرغم من أنه ليس مثالياً، لكننا نؤيد قانون AB 375 ونتطلع للعمل مع المُشرِّعين للوصول إلى نهج يحمي المستهلكين ويعزز الإبداع المسؤول». أثناء الجلسات، اشتكى ممثلو الصناعة من أنهم وُضعوا في موقف مستحيل يواجهون فيه إما قبول التسوية أو خوض معركة أمام مبادرة تصويت ليس لديهم أي قوة على تغييرها. أعلنت جمعية الإنترنت موقفها قائلة : إنها «لن تعارض القانون AB 375  أو تعرقله؛ لأنه يمنع مبادرة تصويت أسوأ من أن تصبح قانوناً في كاليفورنيا».

أشار سلطاني ممتعضاً إلى أن ماكتاغارت عرض على وادي السيليكون سياسة خصوصية من نوعية إما أن تقبلها أو تغادر، وهي نفس النوعية التي يقدمها وادي السيليكون للجميع في المعتاد.

وها هو يقف ماكتاغارت يراقب التصويت الذي جاءت نتيجته مذهلة

بدأ مُشرِّعو كاليفورنيا يوم الخميس التالي في التصويت على مشروع القانون. راقب ماكتاغارت، الذي ارتدى يومها سترة وبنطالاً كاكياً، من معرض مجلس الشيوخ مع زوجته.

وعندما طُلب منهم التصويت، أبقى ماكتاغارت عينيه على اللوحة الإلكترونية التي كانت تحصي الأصوات: ومع كل صوت يُحصى، كانت جميع الأصوات تقريباً تجدد إضاءة اللون الأخضر، الذي يعبر عن الموافقة. لقد انتصروا في المجلس، حيث كان يتكشف أمامهم نفس المشهد. وفي النهاية، لم يصوت أي مُشرِّع في الغرفتين ضد التسوية.

والنتيجة رجل واحد هزم عمالقة التكنولوجيا

علم ماكتاغارت أن القوة السياسية مرنة، وأنها حسبة مفصلة من الحيلة والحجة، والتصويت والمال. يمكن للناس والمؤسسات -في السياسة وفي وادي السيليكون- أن يبدوا أقوياء حتى اللحظة التي لا يكونون فيها كذلك. واكتشف ماكتاغارت أنه أحياناً يكون شيء يستحيل حدوثه فجأة شيئاً لا يمكن إيقافه.

تحدثت إلى ماكتاغارت بعد مدة وجيزة من التصويت. وكانت ملاحظته «بدت كأنها لحظة لا يريد الناس فيها أن يكونوا مع الجانب الخطأ من هذه القضية». كان جزء من ماكتاغارت يفكر فعلياً في القادم.

ولكن المعركة لم تنته بعد فمازال لديهم فرصة لإلحاق الأذى

لن يسري التشريع قبل 2020، وسيكون لدى المجلس التشريعي وصناعة التكنولوجيا فرصة لتعديل القانون الجديد قبل ذلك. في الأسابيع التالية للتصويت،  عندما تسببت المشاكل المتراكمة لوادي السيليكون في انخفاض جديد لمرات المشاركة لفيسبوك وشركات التكنولوجيا الأخرى، كانت جماعات الضغط الخاصة بها تعود إلى العمل مرة أخرى. كانت إدارة ترمب تعقد اجتماعات لمناقشة معيار خصوصية وطني جديد، وهو معيار قد يتجاوز القانون المصاغ حديثاً في كاليفورنيا. كانت فرص كثيرة سُتتاح لإلحاق الأذى. ولكن لمّا كان ماكتاغارت ينعم بالانتصار، بدا غير متزن، بل وعاطفياً. قال ماكتاغارت: «إن جميع من كانوا قادرين على عرقلته، لم يفعلوا ذلك. عندما يريد النظام أن يعمل، فإنه يستطيع ذلك».

ترجمة وتحرير: عربي بوست

مقالات ذات صله