من هو ماسوشي صن؟ وما قصة مشروعه الذي استثمرت فيه دول الخليج؟

من هو ماسوشي صن؟ وما قصة مشروعه الذي استثمرت فيه دول الخليج؟

في يناير (كانون الثاني) 2016 استطاع رجل الأعمال الياباني «ماسوشي صن» المدير التنفيذي ورئيس شركة «Softbank»  إقناع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؛ بأن يدخل الأخير مساهمًا بـ45 مليار دولار أمريكي في مشروع صن العملاق المعروف عالميًا باسم «VIsion Fund»، وكان المذهل في الأمر أن الاجتماع الذي وقع في مكتب ابن سلمان في العاصمة السعودية جدة استمر فقط لمدة 45 دقيقة، أي أن كل دقيقة مرت في الاجتماع استطاع ماسوشي صن الحصول فيها على مليار دولار.

وبعد مقابلة ابن سلمان وفي خلال عامين فقط استطاع أن يحصل على استثمارات بقيمة 14 مليار دولار، وهو بذلك يقترب من تحقيق مراده من المشروع لكي يصبح أعلى مشروع استثماري في تاريخ التكنولوجيا بقيمة 100 مليار دولار.

من هو ماسوشي صن؟ وما قصة مشروعه العملاق؟

في عام 2000 ظل ماسوشي صن على عرش أغنى رجل في العالم بديلًا لـ«بيل جيتس» لمدة ثلاثة أيام فقط، ولكن هذا لم يدم طويلًا، والسبب كان الأزمة الاقتصادية التي أطلق عليها «DotCom» لأنها ضربت جميع شركات التكنولوجيا في العالم ومن ضمنها شركة صن المعروفة باسم «SoftBank» التي خسرت حوالي 70 مليار دولار في يوم واحد، وكان هذا ما يقرب من 99% من ثروة صن، ولكن في نفس العام أخذ ماسوشي صن واحدة من أنجح خطواته في عالم الأعمال، عندما قام باستثمار 20 مليون دولار في شركة التجارة الإلكترونية الصينية «Alibaba».

وبعد 14 عامًا فقط أي في عام 2014؛ تحولت نسبة صن في «Alibaba» إلى 40 مليار دولار. صن دائمًا معروف بقدرته على اتخاذ قرارات مستقبلية ناجحة؛ ففي عام 2016 بعد إعلان فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأمريكية، ذهب صن إليه مباشرةً واتفق معه على استثمار 20 مليار دولار في صناعة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، وهي الخطوة التي رفعت قيمة أسهم شركة «SoftBank» بنسبة 6% وزادت من ثروت صن ملياري دولار أمريكي في يوم واحد.

ولد صن في مدينة صغيرة في شرق اليابان بنهاية خمسينيات القرن الماضي، وخلال طفولته ورحلته في المدرسة، كان صن يتعرض للكثير من العنصرية والتنمر والإيذاء من زملائه؛ وذلك لأنه من عائلة كورية مهاجرة، وفي ذلك الوقت كان المجتمع الياباني مجتمعًا منغلقًا على نفسه يجد أفراده صعوبة في تقبل المختلفين عنهم في العرق والثقافة، وعندما بلغ ماسايوشي صن عامه السادس عشر؛ حصل على قبول من جامعة كاليفورنيا للحصول على درجة البكالوريوس في الاقتصاد.

في عامه الأخير من الجامعة؛ اخترع صن جهاز محمول للترجمة وباعه لشركة «Sharp» اليابانية بمليون دولار أمريكي، وهو المبلغ الذي بدأ به شركة «SoftBank» في عام 1981 بشخصين فقط يعملان بدوام جزئي، وهي الآن تمتلك استثمارات وقيمة اقتصادية تقدر بحوالي 84.9 مليار دولار، وتقدر ثروة صن بـ20.3 مليار دولار، وهو على أعتاب دخول التاريخ وتحقيق أرقام مستقبلية قياسية من خلال مشروعه «VIsion Fund».

«VIsion Fund».. أكبر استثمار في تاريخ عالم التكنولوجيا

في أكتوبر(تشرين الأول) عام 2016 أعلنت شركة «Softbank» إطلاق مشروع استثماري كبير باسم «Vision Fund» ، يهدف هذا المشروع إلى المساهمة والاستثمار في الشركات الناشئة التي تقدر قيمتها بمليار دولار فيما أكثر، وتتضمن خطة المشروع المساهمة بـ25 مليار دولار على الأقل خلال الخمس سنوات الأولى.

حين أموت، أريد أن يتذكرني العالم بأنني الشخص المجنون الذي راهن على المستقبل. *ماسوشي صن

فكرة المشروع جاءت من هوس ماسوشي صن الدائم بالـ«Singularity» وهي التي يعرفها خبراء التكنولوجيا بأنها المرحلة التي سوف يمكن فيها للذكاء الاصطناعي أن يتخطى كافة القدرات البشرية، وبسبب عدم وجود مؤشرات قوية على قرب وصول التكنولوجيا إلى هذه المرحلة في المستقبل القريب؛ يرى البعض صن شخصًا حالمًا أو متهورًا يراهن رهانًا كبيرًا قد يكلفه هو ومن معه من مستثمرين كثيرًا. وفي الحقيقة عندما أعلن صن عن المشروع قُوبل بالترحاب من مجموعة كبيرة من المستثمرين في مقدمتهم حكومة السعودية والإمارات وقطر، فقد ساهمت الأولى بـ45 مليار دولار والثانية بـ19 مليار دولار، ولكن قطر على الرغم من أنها وعدت باستثمار 100 مليار دولار؛ فهي لم تشارك فعليًا في استثمار ماسايوشي صن حتى الآن، ولا يوجد تفسير صريح لانسحاب قطر أو عدم تنفيذها لوعودها إلا صعوبة وجود قطر في مشروع واحد مع السعودية والإمارات بسبب المشاكل السياسية والحصار التي تفرضه الإمارات والسعودية على قطر. وعلى ناحية أخرى، لم تقف قطر مكتوفة الأيدي أمام المشروع العملاق الذي سوف يدفع السعودية والإمارات في مجال التكنولوجيا، وقامت العام الماضي بإعلان عن مشروع ضخم تحت اسم «Singularity University» بمشاركة مجموعة كبيرة من رجال الأعمال وأكاديمين بارزين وشركات بارزة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وفي أقل من عامين استطاع ماسوشي صن تحقيق نجاح كبير في إنشاء شراكات مع رجال أعمال ومستثمرين وحكومات دول وصلت قيمة مساهمتهم في المشروع إلى 100 مليار دولار، ونجحت شركة «Softbank» في الاستثمار في مجموعة مختلفة من شركات التكنولوجيا بحوالي 35 مليار دولار، ومن ضمن تلك الشركات كانت شركة «Uber» التي حصل فيها صن على استثمارات بقيمة 9.3 مليار دولار بنسبة 17.5% من قيمة الشركة، وبذلك تعد أكبر نسبة حصل عليها مستثمر أو شركة في «Uber» منذ تأسيسها.

على الرغم من ذلك فإن فكرة ضخ هذه الكمية من الأموال فيما يقرب من 100 شركة من الشركات الناشئة التي تقدم خدمات تكنولوجيا فريدة من نوعها سوف يكون له أثر إيجابي مهم للغاية وهو أن تلك الشركات سوف تحقق استقرارًا اقتصاديًّا قويًّا لها يساعدها على تحقيق التطوير المستديم للخدمات الفريدة التي تقدمها.

ولكن.. هل يسعى صن لاحتكار المستقبل؟

هناك الكثير من الآراء التي تحذر من فكرة الـ«VIsion Fund»؛ فالبعض يخشى ماسايوشي صن اعتقادًا منهم أنه يعمللصالح السعودية التي قد تسعى للسيطرة على مستقبل التكنولوجيا في العالم، والتبرير المعلوم لهذا الرأي أن السعودية هي التي بدأت أول تمويل في الـ«VIsion Fund» فضلًا عن التعاون الكبير بين صن وبين محمد بن سلمان، والذي يمكن أن نراه أيضًا في الصفقة الأخرى التي عقدها الطرفان في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، والتي فيها أسند ابن سلمان لمسايوشي صن مهمة بناء محطة طاقة شمسية في السعودية بتكلفة 200 مليار دولار لتكون بذلك أكبر محطة طاقة شمسية في الشرق الأوسط.

ورأي آخر يشكك في نجاح المشروع بسبب طريقة صن في التفاوض مع الشركات التي يمنحها التمويل؛ فهو أحيانًا يهددهم وأحيانًا يبالغ في التمويل، ويمكن أن نستدل على ذلك من خلال تصريحات أدلت بها ثلاث شركات حصلت على تمويل من صن، الأول يدعى «يوجين إيزاك فيتش » وهو عالم روسي الجنسية متخصص في علم الأعصاب يمتلك شركة تكنولوجيا ناشئة في مدينة «سان ديجو» الأمريكية متخصصة في صناعة الروبوتات، يحكي إيزاك فيتش أنه عندما ذهب إلى ماسايوشي صن ليطلب منه 10 مليون دولار فقط لكي يمول مشروع شركته الذي يهدف إلى إنتاج روبوتات متطورة يمكنها الانتشار في العالم خلال عقد أو اثنين، تفاجأ عندما قاطعه صن أثناء عرضه للمشروع وأخبره أنه سوف يعطيه 10 أضعاف المبلغ الذي يطلبه على أن تكون تلك الروبوتات جاهزة في فترة أقصاها خمس سنوات فقط وقال له نصًا: «روبوتات في كل مكان في وقت قصير للغاية، هذا ما أريده».

خرج إيزاك فيتش من مكتب ماسوشي صن وهو يحمل في جيبه تمويلًا مقداره 114 مليون دولار أمريكي. وفي واقعة أخرى كان راويها هو «تشنغ وى» الرئيس التنفيذي لشركة «DIDI» الصينية التي تقدم خدمة طلب سيارات الأجرة مثل شركة «Uber» الشهيرة، يقول تشنغ وي أن ماسايوشي صن دعاه في مكتبه في طوكيو لكي يقدم له تمويلًا من خلال مشروعه الجديد، ولكن تشنغ وي رفض لأنه بالفعل تمكن من جمع تمويل للشركة بقيمة 10 مليار دولار، ولكن صن هدده إن لم يتعاون معه سوف يذهب ويقوم بتمويل منافسي شركة «Didi» في الصين، فرضخ تشنج وي للأمر وحصل على تمويل بقيمة 5 مليار دولار وهو أكبر تمويل حصلت عليه شركة تكنولوجية ناشئة في العالم من مصدر واحد. وكرر ماسايوشي صن نفس الفعل مع شركة «Uber» عندما قام بتهديدهم علنًا إن لم يوافقوا على حصولهم على التمويل بأنه سوف يذهب مباشرة لكي يمول شركة «Lyft» الأمريكية الناشئة التي تنافسها في الولايات المتحدة.

وفي النهاية لا أحد يعلم نوايا ماسايوشي صن التي يسعى لتحقيقها من خلال مخاطرته الاقتصادية الكبيرة، هل يريد أن يخلق جيشًا من الروبوتات ويجعلها تحل محل الإنسان؟ هل يريد أن يحقق مكاسب شخصية ويحتل عرش التكنولوجيا بدلًا من «بيل جيتس» مؤسس مايكروسوفت و«جيف بيزوس» مؤسس أمازون، أم هو فقط يريد أن يحدث ثورة تكنولوجية لكي يدفع الجنس البشري للأمام؟

مقالات ذات صله