مواقع التواصل الاجتماعي صارت منبراً للتعابير النابية وبيانات الكراهية والعنصرية والطائفية

مواقع التواصل الاجتماعي صارت منبراً للتعابير النابية وبيانات الكراهية والعنصرية والطائفية

منة الله الباف – اعتدنا أن نقفز دون أسباب واضحة، ونغضب لأن الشعور بالغضب مُتاح وسهل، وردّة الفعل عند الغضب أسرع وأسهل. اعتدنا أن نصافح الموجة العابرة وأبدعنا في فنون الركمجة والفلسفة. كل ما في الأمر، الأصوات وجدت منبراً متاحاً، والصدى وجد جدراناً افتراضية لا نهاية لها، حيث يدخل الكلّ- طوعاً- فضاءً واسعاً ويستمع ثم يردّد ثمّ يحشد ثمّ يطالب، ولا تخيفه عناصر الانضباط أو قوات مكافحة الشغب. الخوف بات قابعاً وراء “أبواب المداخل” فقط.. والغرف آمنة، وكل ما فيها آمن.. حتى الثورة آمنة، والأنظمة تسقط افتراضياً والجموع تحتفل افتراضياً.. والمستبدّ يُعدم افتراضياً ويبدأ العالم افتراضياً وقد ينتهي افتراضياً.

في العالم العربي، حيث ما زالت الدول تضمّد ثوراتها، لمعت ظاهرة الثورة الافتراضية وقد تحول بعضها لثورة ساحات عامة. ثم امتدّت كي تشمل مدناً ودولاً برمّتها في ظاهرة هي الأسرع والأكثر خطورة. في لبنان، حيث بلغ الفساد أشدّه وضاق الشعب ذرعاً بتقاعس مرؤوسيه، افتُتحت مجالات افتراضية “للفضفضة” و”السخرية” و”الاستعراض” لأن الساحات العامة غير مُتاحة في الوقت الحالي.. أما الساحات التي أُتيحت فأُغرقت بخراطيم المياه والرصاص المطاطي، والاعتقالات والملاحقات المستمرّة.

في الآونة الأخيرة، علت الأصوات بوجه موجة من الاستدعاءات والتحقيقات لشبان وشابات اعتقدوا بأن الغرف الآمنة هي فعلاً آمنة. لفتني أحدهم منذ مدة، نشَر صورة له ووضع الإطار الأكثر تداولاً في لبنان “ضد القمع” معلّقاً: كم إطار سأضع على الصورة نفسها في هذا الوطن المريض؟ ..فقد بات الفضاء الافتراضي عرضة للاختراق والتجسس دون أي حسيب أو رقيب، ووصل الأمر إلى حد إغلاق حسابات وحذف “الكلمات غير المرغوب بها”.

هل وصلنا لمرحلة بلغت نهايتها في المحيط العربي؟ حيث تُكمم الأفواه وتُكبّل الأيادي بسبب كلمة، موقف أو حتى فكرة؟ أمام كل ما حدث في الأشهر المنصرمة عقب الانتخابات النيابية، يبدو أننا بلغنا تلك المرحلة، وبانتظار المرحلة التي تليها.. أما الحرية التي تغنّينا بها لسنوات وسنوات يبدو أنها مؤقّتة.. كالقنبلة الموقوتة، على وشك الانفجار.

التاريخ اللبناني يحمل العديد من المحطات التي أعادت صياغة مفهوم الحرية داخل دولة الـ “أنا والآخر” والـ “أنا أو لا أحد”. ولعلّ المرحلة الأخيرة التي حملت فراغاً حكومياً ورئاسياً هي المرحلة الأكثر تأثيراً. وقد وصل بنا الأمر إلى مرحلة أخطر حيث أن الحمقى بات منبرهم هو مبررهم الوحيد لإطلاق الإشاعات والشتائم وكل ما يروق لهم دون خوف أو خجل. فاختلط “الحابل بالنابل”، وانتُزعت الحرية من كتب القانون، فأضحت عُرضة للاجتهاد وإعادة التفسير.

الكلمة أكثر حدّة من طرف السيف، وأكثرها أذىً هي تلك التي تضرب عنق مجتمع بأكمله، هو أصلاً على وشك الانهيار. إذ أنّ الحرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً باحترام الآخر. والتعدي على الآخر سواء بالإهانة اللفظية أو الاعتداء الجسدي هو اعتداء على حريته. فأية حرية تعتدي على حرية؟ اليوم، نجد بأن مواقع التواصل الاجتماعي تكتظّ بالتعابير النابية، وبيانات الكراهية، والعنصرية والطائفية. طبعاً الجزء الأكبر من الشباب الواعي يندد ويعترض، لكن شخص واحد قادر على إشعال عود ثقاب واحد.. والرقم واحد كافٍ لتسعير نارٍ لا تُبقي ولا تذر.

هنا نقع جميعاً أمام معضلة “حريتي وحرية الآخر” التشريعات القانونية لم تلقَ تحديثاً يُذكر في مجال “التواصل الاجتماعي”. ولن ننتظر تغييرات جذرية في المدى المنظور. لكن إلى حين الخروج من دوامة الفساد والحسابات الضيقة، سيكون علينا أن ندافع بشراسة على ما تبقى من حريتنا.. وأن ندافع بشراسة أكبر على ما تبقى من الوطن. لأن الوطن لا يقوده فاسد، أو مأجور، أو خائن، أو عميل.. وحتماً لن يقوده حرٌّ أحمق!

مقالات ذات صله