الشبكات ليست مجرد بنى مادية، إنها عبارة عن فكرة

الشبكات ليست مجرد بنى مادية، إنها عبارة عن فكرة

نبيل عودة – ربما يذكر البعض منا صاحب الشعر الطويل، واللحية الشعواء والشارب الكث، صاحب العبارات الثورية وهو يتحدث بلهجة صريحة وجريئة عن عنف الشرطة في الولايات المتحدة، وعن نمط عيش الجيل البيروقراطي الحاكم ذو العقلية التقليدية النفعية الذي يهتم بطول شعر إبط أبنائهم وأحفادهم أكثر من اهتمامهم بمعدلات الفقر المتنامية على المستوى العالمي، وعشرات الألوف من الأبرياء الذي يلقون حتفهم في حروب المصالح والتوسع بين الدول الكبرى. كان هذا جيري روبن -الشاب المشاغب والملهم- وهو يتحدث في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو عام 1968 معبراً عن روح شبابية طموحة ترنو إلى تغيير الواقع الثقافي البليد الذي كان يسيطر على الحياة الاجتماعية في تلك الحقبة من ستينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة. كان يعبر عن تململ جيل بأكمله على ثقافة الحرب، والاستهلاك المفرط، والرتابة غير المبررة، واللامبالاة القومية.

لقد كان روبن ورفاقه من جيل الشباب يسعون نحو مجتمع تتلاشى فيه الهرمية المقيتة، وتتحلل فيه الأبوية الرعناء للوصول إلى مجتمع متخيل تسود فيه مشاعر الألفة، وإلى أمة تتكون من جيل مترابط بشكل متساوٍ، يتشارك همومه، وتطلعاته، وآماله، ونمط حياته عبر شبكات من الربط الاجتماعي دون الحاجة للعودة إلى المؤسسات الموروثة عن جيل الآباء. لقد كان هذا جيل الستينات، وكانت فترة الستينيات من القرن العشرين نقطة تحول ثقافي عصفت بالكثير من التصورات الموروثة عن الأجيال السابقة، فقد استفاد هذا الجيل من بداية تطور مفهوم جديد في العلوم هو مفهوم الشبكات، ليجعل من هذا المفهوم وسيلة للتعبير عن نمط ثقافي آخذ بالتشكل كان له تأثير كبير على ديناميكيات السياسية العالمية في تلك الحقبة.

لقد أدرك ذلك الجيل أن التغيير الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق دون إحداث تحولٍ في منظومة التصورات المركبة في عقل الإنسان. لقد كانت بداية التغيير لديهم واضحة وهي تلك التي تبدأ من الوعي وما يحتويه من مجموعات متراصة من هذه التصورات التي تعتبر إحدى أقوى الدوافع للسلوك الإنساني. لذلك تبنت حركات التغيير الاجتماعية الحديثة – كحركات اليسار الجديد التي اتخذت المنحى السياسي، أو مجموعات الهيبيز التي اتخذت المنحى الاجتماعي – أفكاراً وأنماطَ سلوكٍ على تناقض صارخ مع القيم السائدة في المجتمع آنذاك وذلك من أجل إحداث صدمة للوعي السائد لدفعه نحو بيئة جديدة تسود فيها تصورات مختلقة مبنية وفق المبادئ الثورية وروح التمرد وعفوية اللذة.

استندت هذه الأفكار والأنماط الثورية على أربعة تمظهرات رئيسية وهي: قصات الشعر، وموسيقى الروك الصاخبة، والجنس المتاح في كل الأوقات والأماكن، والمخدرات. لقد سعى ذلك الجيل لإضفاء حالة من السحر على نمط سلوكه وأفكاره، فالمخدات لم تكن مرغوبة لذاتها لأجل المتعة أو اللعب، بل كانت تتخذ كوسيلة “لرؤية الحياة بشكل مختلف وذلك أملاً منهم بأن يؤدي ذلك إلى تغيير القواعد الاجتماعية المتبعة” على حد قول ثيودور روسك وهو الأكاديمي الأمريكي المتخصص بدراسة التاريخ. وعليه فقد اكتسبت هذه التمظهرات أبعاداً ثقافية، لم يكن جيلاً يبشر بالخواء، بل بالمعرفة على النمط ما بعد الحداثي وذلك من خلال اكساب التصورات معانٍ جديدة. فالتحرر لم يكن مقتصراً على البنى الاجتماعية فقط، بل شمل ذلك البنى اللغوية، حيث أصبح إكساب الكلمات معانٍ لا حدود لها ظاهرة بحد ذاتها، فتم إعادة بناء المفاهيم لتعبر عن التحول الآخذ بالتشكل عن مستوى التصورات والبنى الاجتماعية، وهي البنى التي أريد لها أن تكون لا محدودة.

لقد عبر هذا الجيل من خلال لجوئه إلى الأنماط الشاذة سواء على مستوى الأفكار أو السلوك عن التماهي العملي مع أفكار فرويد الذي جادل بأن البشر يوفرون الحماية لأنفسهم ضد الألم من خلال اتباع ثلاثة سبل هي: التحويل، والإشباع البديل والانتشاء. لقد كان التحويل بادياً من خلال المعارضة الشديدة للحرب الفيتنامية، والرفض التام للعيش تحت التهديد المستمر بحرب نووية تقضي على الجنس البشري، واللامساواة الاجتماعية والتمييز العنصري ضد السود، أما الإشباع البديل فقد كان يُسمع صداه في ساحات الروك، وصيف الحب “Summer of Love” وهي مخيمات صيفية كان الغرض منها إظهار الحب بطريقة عفوية خالية من رتابة الطقوس التقليدية، أما الانتشاء فكان يتم وفق مبدأ الجنس لأجل الجنس، وتعاطي المخدرات المعلن والمشفوع بروح التحدي. لقد كان جيلاً تجريبياً، يهرب من سلطة الخوف إلى فضاءات اللذة متمتعاً بحياته وفق مبادئه الخاصة ذاتية التوليد.

كانت فكرة الجيل المترابط أفقياً ضمن شبكات متساوية بعيداً عن الهرمية الأبوية تختمر في المجتمع جنباً إلى جنب مع اختمارها في المختبرات العلمية. ففي ذات الوقت كانت هناك ثورة على جانب الأنظمة المعرفية تحدث على قدم وساق وذلك من خلال ربطها بشبكات متصلة للوصول إل تراكم مضاعف للمعرفة؛ الهدف منها تسريع عجلة الاختراعات للتصدي للتهديدات التي كان يمثلها العصر النووي على أمن الجنس البشري. لقد أطلق حصول الاتحاد السوفيتي على السلاح النووي في نهاية الخمسينيات حماسة المجتمع العلمي الأمريكي للوصول إلى تقنيات تتعلق بالرادار، والرصد المبكر، وصواريخ الرد السريع من أجل الوصول إلى ردع نوعي لخطر القنبلة النووية السوفيتية. بدأ في ظل هذه الديناميكيات إنضاج مفهوم الـ Cybernetic من قبل العالم الأمريكي نوربرت وينر مع آخرين، وهو المفهوم الذي يستبطن فكرة العالم الواحد، المترابط معرفياً عبر شبكات متصلة على مدار الساعة وذلك لتسهيل الوصول إلى المعلومات وتبادل التجارب والخبرات الأمر الذي من شأنه أن يجعل من هذا العالم الواحد مجتمعاً منسجماً ومتساوياً، وأكثر أمناً.

الشبكات ليست مجرد بنى مادية بل هي بالأساس فكرة، وعندما تم توظيف الفكرة مع البنى المادية لخدمة الأفكار التحررية أدت إلى نتائج ايجابية على مستوى السياسية العالمية

لقد كانت فكرة خلق عالم تسود فيه روح اللامركزية على حساب التراتبية الهرمية والمركزية البيروقراطية تستحوذ على طبقة متزايدة من العلماء في المختبرات العلمية وعلى طبقات واسعة من الشباب الذي اصطفوا معا ضمن حركات التعبير الحر “Free Speech Movements”. . قادت هذه التصورات نحو التفكير في إحداث نقلة في النظر إلى الطبقة الوسطى، وهي الطبقة المعقود عليها دوماً آمال التغيير، فلم يعد ينظر إلى أبناء هذه الطبقة على كونهم مجرد عمَّال “labor” وإنما رواد أعمال “entrepreneurs”، لديهم الدافع الذاتي نحو خلق بيئة جمعية تسود فيها مصالح الفرد المتنور، لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول جيري روبن وبعد عشرين سنة من خطابة الشهير في شيكاغو إلى رجل أعمال ناجح.

لقد ساهمت تكنولوجيا الربط الشبكي على المستوى الأكاديمي والعلمي، وكذلك فكرة المجتمعات الشبكية أو المسطحة التي حفزتها حركات التغير الاجتماعي في التأثير على السياسية العالمية، ففي نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين والذي شهد أخطر أزمة نووية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وهي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حيث وضعت مستقبل الجنس البشري على المحك جاءت فترة الوفاق الدولي بين المعسكرين الغربي والشرقي وذلك من خلال سياسة التقارب التي اتبعها الرئيس الأمريكي نيكسون، وقد توصل الطرفان إلى اتفاقيات دولية للحد من انتشار الأسلحة النووية، بالإضافة إلى سياسة الانفتاح على الصين، والتي أدت في نهاية المطاف إلى وضع حد للحرب الفيتنامية، وسحب القوات الأمريكية والتوصل لاتفاقية سلام في جنوب شرق آسيا. لقد التقط العالم في تلك اللحظة أنفاسه، وعاد للجنس البشر الأمل في الاستمرار على وجه الأرض، وكان هذا الأمل هو ذاته الذي غذى تلك الحركات لإحداث التغير المطلوب.

إن الشبكات ليست مجرد بنى مادية بل هي بالأساس فكرة، وعندما تم توظيف الفكرة مع البنى المادية لخدمة الأفكار التحررية أدت إلى نتائج ايجابية على مستوى السياسية العالمية، إن هذا يعود بنا إلى النظر من جديد إلى جوهر هذه الأفكار وهذه البنى من أجل إحداث آثار إيجابية أخرى للتخفيف من الأزمات التي تعصف بالمجتمع الإنساني العالمي سواء بالأمور السياسي أو الاجتماعية أو حتى بالأمور البيئية والإنسانية. إن تحول هذه الشبكات والأفكار إلى سلعة استهلاكية تدعم الشره الرأسمالي للطبقات النفعية من أصحاب رؤوس الأموال والسلطة، يعمق الضرر ويصبح من الصعب تصور المدى الذي قد يصل إليه. إن العالم اليوم يحتاج إلى استثمار ثوري للبنى والأفكار الشبكية لبعث أمل جديد للبشرية على هذا الكوكب.

مقالات ذات صله