خداع الخوارزميات، «فُقاعة التّرشيح»

خداع الخوارزميات، «فُقاعة التّرشيح»

يسمى توجيه أو حصر المحتوى الذي نشاهده، «فُقاعة التّرشيح»، حيث تقوم خوارزميات هذه الشبكات بتخمين المعلومات التي قد يفضل المستخدم رؤيتها. يدّعي إيلي باريسر، مؤلف كتاب «فقاعة الترشيح: ماذا يخفي عنك الإنترنت؟»، أن المستخدم أصبح محصوراً في إطار ضيِّق لا يمكِّنه من الوصول لأفكار أو معلومات جديدة، فعلى سبيل المثال لن تصل لك أفكار سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية خارج هذه الفقاعة التي صنعتها لك تلك الشبكات.

فالمعلومات التي تظهر لك على «فيسبوك» هي أشياء قام أصدقاؤك بمشاركتها أو أصدقاؤهم، والأخبار التي تظهر لك هي من المصادر التي قمت بالإعجاب بها، وبهذا قد قمت بتحديد مصادر معلوماتك حصراً من هذه المصادر، حتى الإعلانات التي تظهر لك فهي تتعلق بأشياء قمت بالبحث عنها أو لها ارتباط بمنطقتك الجغرافية.

ولأثبت للقارئ دقة طرحي قمت باختبارٍ بسيط: طلبت من صديقين الولوج إلى موقع جوجل والبحث عن كلمة «تونس»، بعد مقارنة النتائج وجدت أن هناك فرقاً واضحاً؛ فمحرك البحث لكلا الصديقين أعاد نتائج تتوافق مع المواقع التي يزورانها، أو مواقع تتوافق مع وجهات نظرهما، لنتابع النتيجتين:

جوجل تعرف الكثير عنا، خاصةً إذا كنا من مستخدمي الأندرويد و»يوتيوب»، ومن منا لا يستخدم «اليوتيوب:، وبهذا قامت جوجل بخلق فقاعة ترشيح لمجموعة من النتائج مختلفة لكلٍ من الصديقين.

وقد ذكر مركز «بو» الأميركي للدراسات (1) في بحث له بمنتصف عام 2015، أن 61% مِن الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً يستخدمون «الفيسبوك» كمصدر حصري لحصولهم على الأخبار، وهذه النسبة تشكل 1.7 مليار مستخدم حول العالم. وقد ذكر مركز الدراسات نفسه أنه في عام 2014 كانت نسبة المستخدمين الذين يعتقدون أن الأخبار التي يشاهدونها تنساق مع أفكارهم وميولهم ضِعف من لم يعتقد ذلك، ولكن مع تطوُّر خوارزميات الشبكات الاجتماعية وكمّ المعلومات الهائل الذي يصل لتلك المواقع يومياً، باتوا أكثر قدرة على تحديد المحتوى الذي يصل لالمستخدمين.

أكاد أجزم بأنّ نيات شبكات التواصل ومواقع الإنترنت من وراء فقاعة الترشيح هي مادية بحتة، حيث إن طبيعة البشر تميل إلى التقرب من الذين يحملون الميول ووجهات النظر نفسها؛ وبهذا يقضي المستخدم وقتاً أطول في تصفُّح الأخبار والمشاركات التي يحب أن يتابعها في تلك المواقع حتى ولو كانت مزيفة أو كاذبة.

ولكنَّ نتيجة تلك السياسات التي بُنيت عليها خوارزميات فقاعات الترشيح تبدو واضحة. فالآلة لا تحمل العواطف، ومن التحديات الكبرى التي بدأت تواجه شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع البحث وغيرها، كيفية الحد من انتشار الأفكار والأخبار الكاذبة والمزيفة.

ففي مقالٍ لها نُشر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اتهمت صحيفة الإيكونوميست البريطانية مواقع التواصل الاجتماعي بفرض سطوة توجيهية على المستخدمين تؤثر في قراراتهم الانتخابية. وذكر التقرير أن مواقع التواصل الاجتماعي نشرت أخباراً ملفقة ومضللة. «فيسبوك» اعترفت بأن 146 مليون من مستخدميها ربما قرأوا أخباراً مسمَّمة بين شهري يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب من عام 2015، نشرتها أطراف روسية. وفي حين اعترفت «يوتيوب» بانتشار 1108 فيديوهات مرتبطة بروسيا شاهدها مستخدموها، تم نشر 36.746 تغريدة مرتبطة بالروس على موقع تويتر.

وفي حين كانت شبكات التواصل الاجتماعي سابقاً تنشر قيم التسامح، وفرض بيئة نظيفة تلاحق المجرمين والأفكار الهدامة، تجد أن مستخدميها وقعوا ضحية أفكارٍ مسمومة. انحصار الأخبار التي وردت المستخدمين بمصار مكرّرة سمح لهذه الأخبار بتحديد وجهة صوت الناخب ولم تسمح هذه المواقع للمستخدم بمشاهدة رأي مختلف قد يغير وجهة نظره.

ذكر الأخوان هيث في كتاب «الحسم» (2) عن تجربة قام بها أحد الباحثين، حيث عُرض على المشاركين في البحث جمل ليست معتادة مثل «سحّاب الملابس صُنع في النرويج»، وقد أُخبر المشاركون بأن هذه الجمل ربما تكون صحيحة وربما تكون خاطئة. خلال التجربة تم تكرار عينة من الجمل 3 مرات في نصوص مختلفة؛ ومن ثم طُلب من المشاركين تقييم صحة الجمل. وجدوا أن الجمل المكررة جعلت المشاركين يؤيدون صحتها أكثر من الجمل التي لم تتكرر.

وفي دراسةٍ أخرى أُجريت على مجموعة من مستخدمي «تويتر»، وُجد أنّ أكثر المستخدمين الذين ينتمون إلى حزب سياسي يقومون بإعادة تغريدات تدعم حزبهم. ويقوم هؤلاء المستخدمون في الغالب بنشر تغريدات لمقالات في صحف تميل إلى حزبهم السياسي. هذه التغريدات تضع هؤلاء المستخدمين ومتابعيهم في دائرة الأفكار المكررة.

هذه الأفكار المكررة التي تصل لنا تعزز انحيازنا الذاتي، فحين نتلقى معلومات تعزز قناعات نميل إليها فإنها ستترسخ في عقولنا وقلوبنا، ونصبح أقرب إلى رفض أي فكرة لا تندمج مع ما ننحاز إليه من أفكار وقناعات، وبهذا يصبح المستخدمون كمن يسمع صدى صوته في غرفةٍ فارغة، فيخسرون قدراتهم على الحصول على الرأي الآخر، الذي ربما يكون على صواب أو أقرب إلى الصواب.

إذاً، كيف نخدع تلك الخوارزميات حتى نخرج من فقاعات الترشيح والأفكار المكررة؟ الجواب بسيط: علينا تصفُّح مواقع لا توافق أفكارنا، فإذا كنا نميل إلى الأفكار اليسارية، فلمَ لا نقرأ بعض ما يكتبه اليمين، فمثلاً لو تفاعلت مع مقالات أو مشاركات لا توافق أفكارك من وقتٍ لآخر، فأنت حتماً تخدع خوارزميات فقاعات الترشيح وتقلل من تأثيرها عليك.

مقالات ذات صله