ما هي التكنولوجيا التي يستخدمها الصحفيون في صحيفة “نيويورك تايمز” في وظائفهم وحياتهم الشخصية؟

ما هي التكنولوجيا التي يستخدمها الصحفيون في صحيفة “نيويورك تايمز” في وظائفهم وحياتهم الشخصية؟

فيما يلي، ستحاول مديرة مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” -آن برنارد – في العاصمة اللبنانية بيروت، الذي يغطي الأخبار التي تعنى بالشأن السوري والشرق الأوسط، الإجابة عن السؤال التالي: ما هي التكنولوجيا التي يستخدمها الصحفيون في صحيفة “نيويورك تايمز” في وظائفهم وحياتهم الشخصية؟

لقد أمضيت معظم وقتك في العمل على تغطية مستجدات الحرب السورية، فما هي أهم الوسائل التقنية التي استخدمتها؟

لقد ساهمت مهمة تغطية الحرب السورية في تغيير طريقة تعاملي مع التكنولوجيا في العمل. ولا يعزى ذلك إلى أنني في حاجة إلى استخدام الوسائل ذات التقنية العالية الحديثة بشكل خاص، فأنا لا أفعل ذلك. ولكن، دفعتنا التحديات الصحفية واللوجستية الخاصة بتغطية الصراع السوري إلى استخدام الوسائل التكنولوجية الأساسية بطرق جديدة ومختلفة.  وهذا الأمر لا يشملني أنا وزملائي فقط، بل يشمل أيضاً السوريين الذين نسلط الضوء على تجاربهم.

في الحقيقة، تضمن هذه الوسائل سرعة انتشار الفيديوهات التي يتم تصويرها عن طريق الهواتف الذكية، وتسهل عملية مشاركتها. وتعتبر شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة حاسمة لتحقيق هذه الغاية، فقد ساهمت في ربط الصحفيين بشبكة مصادر متنوعة. وهناك الكثير من التطبيقات والأجهزة التي يتم استخدامها، إلى جانب فيسبوك، ويوتيوب، وواتس أب، وتويتر، وسكايب.

لقد تبنى الكثير من الأشخاص حول العالم الأساليب التي ساهم السوريون في تطويرها من خلال هذه التقنيات البسيطة وكانوا رائدين فيها، في صراعهم ضد السلطة؛ بما في ذلك تسجيل شهادات توثق وحشية الشرطة في الولايات المتحدة، أو مشاركة الناشطين في حركة “حياة السود مهمة” لمقاطع الفيديو.

لقد حافظت الحكومة السورية منذ فترة طويلة على سياستها الصارمة بشأن دخول الصحفيين الدوليين إلى سوريا، وفرضت رقابة صارمة على تحركاتهم داخل البلاد. وعندما انطلقت شرارة الاحتجاجات سنة 2011، كان الناشطون السوريون يدركون أنه عليهم توثيق تحركاتهم والممارسات القمعية للسلطة أيضا، إذا أرادوا نقل ما يجري في الداخل إلى العالم الخارجي.

 برنارد وصحافية أخرى من نيويورك تايمز تدعى هويدا سعد في مقابلة مع رئيس الوزراء السوري السابق، وائل نادر الحلقي.

بدأ الأمر بتصوير شهود عيان وناشطين للاحتجاجات باستخدام هواتفهم، مع تحديد تاريخها ومكان وقوعها. وبعد ذلك، تم توثيق الهجوم الذي نفذته قوات الأمن ضد المتظاهرين، ومن ثم كيفية سيطرة مقاتلي المعارضة على الأحياء، بالإضافة إلى تصوير طائرات الهليكوبتر الحكومية والطائرات المقاتلة لاحقا وهي تقوم بقصف تلك الأحياء.

مع استمرار الحرب، بات من الصعب الوصول إلى مناطق المعارضة والمناطق التي يسيطر عليها النظام على حد السواء، بسبب الحصار المفروض على هذه المناطق. وقد تعرض الصحفيون في تلك المناطق لتهديدات بالخطف من قبل متطرفين، بينما كانت حياتهم في خطر أيضا بسبب الغارات الجوية. وفي ظل هذه الظروف، أصبحت هذه الوسائل مهمة لتغطية جميع جوانب الحرب والمناطق المتضررة، على الرغم من أننا لم نتوقف أبدًا عن السفر إلى أي منطقة يمكننا الوصول إليها.

بعد مرور سبع سنوات على الصراع السوري، أصبح استخدام هذه الوسائل الرقمية أكثر منهجية، حيث تقوم مجموعة الإنقاذ في الدفاع المدي السوري، التي تعرف باسم “الخوذات البيضاء” وتعمل في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بالتقاط صور من الكاميرات المثبتة على خوذهم أثناء محاولتهم سحب الناجين من تحت الأنقاض. وعلى هذا النحو، تحول الصراع إلى حرب معلوماتية إلى حد ما، حيث يحرص جميع الأطراف على تسجيل مقاطع فيديو يأملون أن تُنتشر عبر الإنترنت لإيصال وجهات نظرهم.

لكننا نحن الصحفيون نستخدم الأدوات ذاتها لتوجيه دفة المحادثة والتحقق من المعلومات، وليس فقط تلقي ما يريد الناس إرساله إلينا دون لعب دور فاعل. جمعنا منذ البداية بين الاتصالات الإلكترونية والشخصية، وحاولنا التعرف على الأشخاص عبر الإنترنت ومقابلتهم شخصيًا في وقت لاحق، أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع الآخرين بهدوء بعد الالتقاء بهم داخل البلاد.

باستخدام الفيديوهات أو صور السكايب أو واتساب، يمكننا أن نشاهد ما يمر به الشخص في الوقت الفعلي. كما يمكننا أن نطلب منهم أن يطلعونا على ما حولهم أو إرسال صور للشظايا أو المستندات أو المواقع، للتأكد من صحة بعض الادعاءات أو نفيها. ونلجأ عادة لبحث الصور العكسي للتأكد من أن الصور ومقاطع الفيديو التي تتم مشاركتها عبر الإنترنت ليست قديمة. وبمساعدة الزملاء، يمكننا استخدام خاصية تحديد الموقع الجغرافي للتحقق من زمان ومكان الصور ومقاطع الفيديو.

ما هي أكبر التحديات التي تواجهونها في استخدام هذه الأدوات التقنية؟

يتمثل التحدي الأول في توفير الأمن والحماية للشهود والمصادر. وسواء في الولايات المتحدة أو سوريا، تعد الاتصالات الإلكترونية سلاحا ذو حدين؛ فهي من جهة وسيلة لمراقبة الحكومة، ومن جهة أخرى تساعد على تحديد هوية المعارضين لها.

في سوريا، اختارت الحكومة عدم حجب موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وبقية المنصات الاجتماعية، لأنها تستخدمها لتتبع النشطاء وكشف العلاقات التي تربط بينهم. وقد تم إلقاء القبض على بعض الأشخاص وتعذيبهم لمجرد مشاركتهم منشورات معينة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو “إبداء إعجاب” بتعليق شخص آخر، وغالبًا ما يتم اختراق الرسائل الخاصة واستخدامها ضدهم. لذلك، نحن نبحث باستمرار عن وسائل اتصال تكون أكثر أمانًا بالنسبة لهم.

كيف تستخدم التكنولوجيا في بيروت بشكل مختلف عن الولايات المتحدة؟

إن التكنولوجيا هنا أكثر من كونها شريان حياة، فأنا أتواصل مع العائلة والأصدقاء والزملاء والمصادر حول العالم مع تطبيقات الفيديو والصوت  التي تعد بديلا أرخص وأكثر وضوحا لاتصالات الهاتف المحمول ذات الأداء الضعيف. وتوفر المجموعات التي يتم إنشاؤها على فيسبوك وواتساب طريقة سهلة لمشاركة الصور والتواصل بشكل أفضل.

في المقابل، قد تكون هذه الوسائل مثيرة للإحباط ومحدودة بسبب ضعف سرعة الإنترنت. وفي الوقت الحالي، أعمل مع زملائي على مشاريع مذهلة مرئية متعددة الوسائط، لكن لا أستطيع أنا والكثير من سكان المنطقة مشاهدتها بشكل كامل لأننا لا نملك ببساطة النطاق الترددي لتحميلها وتشغيلها بشكل فعال.

خلال الوقت الذي قضيته هنا، أصبحت محبة للبودكاست أو البث الصوتي لأنه أفضل طريقة للحصول على البث الإذاعي الذي أحب الاستماع إليه في المنزل. ومن المثير للاهتمام أن تستطيع مواكبة الأنباء العالمية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط في الصباح دون النظر إلى الشاشة، أثناء المشي أو العمل.

كيف تجدين مشهد التكنولوجيا في بيروت؟ ما هي التطبيقات المحلية الأكثر شعبية هناك؟

هناك بعض الحاضنات التكنولوجية الناشئة في بيروت. ونظرا لأن لبنان  يمتلك بنية تحتية فضيعة للاتصالات، لا تتمتع سوى منطقة صغيرة في وسط بيروت بسرعة إنترنت جيدة. ولكن لديها الكثير من الموارد البشرية، وأشخاص يتميزون بالإبداع والكثير من الحماس والأفكار التقنية التي تتجاوز الفساد، الذي يضع عوائق في وجه العديد من الشراكات التجارية.

إن التقنية المفضلة لدي في بيروت هي “مايكر براين”، للمهندس أيسار عريدة الذي يعد مصمم مناطق حضرية وزوجته صابين دي موسيون، التي تعمل مشرفة، وهما وزوجان التقينا بهما عندما كانا يملكان حجرة بجوار زوجي في مكتب مشترك منذ بضع سنوات. ومازال هذا التطبيق قيد التطوير، حيث يتمثل الهدف منه في إعادة ابتكار مجموعات بناء على غرار لعبة ليغو والانتقال إلى طريقة تفكير أكثر إبداعًا واستدامة.

توفر هذه المنصة مجموعة من الأدوات الإلكترونية والمادية التي تسمح للأطفال والبالغين بربط أجزاء من مجموعات المباني القائمة التي يملكونها مع بعضها البعض (على سبيل المثال، يمكنك الجمع بين ألعاب ليغو وغيرها من الألعاب). كما يتيح الجزء الإلكتروني للأشخاص المشاركة والتعاون في التصاميم كما هو الحال في لعبة “ماين كرافت”.

تتمثل الفكرة الرئيسية لهذا التطبيق في السماح للناس بتصميم الألعاب محليا وتمكين الشركة من كسب المال ولكن ليس من خلال بيع البلاستيك، وإنما من خلال السماح للناس بمشاركة تصاميمهم. ويمكن للأطفال تصميم ألعابهم الخاصة وبيع التصميمات للآخرين، أو يمكنهم دفع رسوم صغيرة مقابل التصاميم، التي يمكنهم بناؤها بأنفسهم بالأشياء التي يملكونها، بالإضافة إلى الأغشية التي تعد صغيرة ويتم إرسالها مجانًا، والأمر مشابه لدفع ثمن وصفة.

خارج عملك، ما هو المنتج التقني الذي أنت مهووسة به حاليًا؟

الكتب، إن الاستمتاع بالقراءة خارج الشاشات الزرقاء مهم بالنسبة لأي شخص يعيش في عالم رقمي بامتياز، حيث تخترق رسائل البريد الإلكتروني وغيرها من الاتصالات الرقمية الحدود بين الليل والنهار والبيت والعمل. علاوة على ذلك، يقضي طفلاي، البالغين من العمر عشرة وسبع سنوات، ساعات في قراءة الكتب كل يوم.

بالنسبة لي وزوجي وهو صحفي وباحث، ليس لدينا قنوات مدفوعة أو تلفزيون فضائي باستثناء مكتبنا في المنزل. ويشاهد زوجي أحيانًا أخبارًا عاجلة على القنوات الإقليمية العربية. في المقابل، يقتصر الوقت المخصص لمشاهدة التلفاز بالنسبة الأطفال على بضع ساعات، وذلك في عطلة نهاية الأسبوع.

إلى جانب ذلك، إن التحدي الأكبر الذي نواجهه عند ترتيب أغراضنا في الشقة الأصغر التي سنعود إليها قريباً في نيويورك، ليس مع الملابس أو حتى المنسوجات والأعمال الخشبية الجميلة التي جلبناها من الشرق الأوسط، بل في رفوف الكتب. فلمواساة أطفالنا عند مغادرتنا لبنان، حيث نشأوا، وعدناهم بتأسيس مكتبة عامة تقع على بعد بضع مباني من شقتنا.

المصدر: نون بوست

مقالات ذات صله