الإعلام .. منظور مشوه تجاه الواقع

الإعلام .. منظور مشوه تجاه الواقع
إسلام عمرو – أن تقع ضحية بين الحين والآخر فهذا أمر طبيعي، ولكن أن يتكرر الأمر بل وتتلذذ بدور الضحية، فهذا لا يُغتفر. تمر على أعيننا مئات الأحداث يومياً من خلال وسائل الإعلام المختلفة سواء كانت ترفيهية أو سياسية، غير مكترثين باستخلاص أهداف أو فوائد وراء هذه المشاهدة، بل يحركنا مجرد فضول عشوائي كفضول الأطفال، غافلين تماماً عن هذا المرض الذي يتخلل عقولنا “منظور مشوه تجاه الواقع”. هذا التشوه للواقع الذي قد ينتج عنه تدهور في حياتنا الشخصية أيضاً، لأننا أعتدنا وضع الاستنتاجات والتحليلات على أسس وأفكار مغلوطة، فنقبل على نفس هذه الأسس بكل ثقة وطمأنينة في تعاملاتنا اليومية ومنظورنا لواقع أنفسنا.

“النفس تطلب كل ما تراه العينان”. جملة قرأتها من قبل، ولعلها تلخص دور الإعلام الترفيهي في تغيير منظورنا للواقع، عن طريق تغيير البوصلة الأخلاقية لدينا بإثارة العواطف وتهييج المشاعر نحو قضايا أخلاقية بديهية ومسلمة. يتم هذا في الغالب بعرض صور ناقصة عن فعل أو تصرف معين بتزيين الجانب الممتع في هذه الأفعال وتجنب تماما الجانب المظلم منها، مثل ما تفعله دعاية السجائر بتصوير جانب الاستقلالية والرشد عند التدخين وتجنب تماماً الجانب الآخر من الأمراض المميتة. أو كالذي تفعله الأفلام والأغاني من تسليط الضوء وتعظيم الجانب الممتع في العلاقات المحرمة من مشاعر جياشة ونشوة وحب أفلاطوني، وتجنب تماماً الحالات المرافقة للجانب الآخر من الصورة، كالضيق الروحاني وجلد الذات وفقدان الثقة والاحترام بين المتحابين. فتتكون صورة غير مكتملة ينتج عنها تأويل مشوه للواقع وانحراف عن الحكم الصائب، مع عدم وضع في الاعتبار العواقب الناتجة والتأثير الحقيقي الواقع علينا في الدنيا قبل الآخرة.

كما أن للإعلام الترفيهي دور في تغيير البوصلة الأخلاقية لدينا، فبعض مؤسسات الإعلام السياسي أيضا لها أساليب لا يستهان بها في تغيير وتوجيه حكمنا في القضايا الحقوقية أو السياسية بين المتنازعين. فهو ينحاز لأي طرف من المتخاصمين أو لحكومات معينة لما يخدم مصلحته وأهدافه، غافلين عمداً أو دون عمد عن مصالح وحقوق الشعوب. وحتى لا تشكك في حكمه ومصداقيته، يتحقق هذا بطريقة غير مباشرة، بقذف بعض المعلومات بلا أي مقدمات أو دلائل منطقية، ثم إثارة العواطف بتزيين هذه المعلومات بالشعارات البراقة والرنانة حتى يعتقد الضحية أن من جفاء المشاعر والخيانة الوطنية عدم قبول هذه المعلومات. ثم تأتي الخطوة الأخيرة، وهي وضع الاستنتاجات من قبل الضحية والانحياز إلى الطرف المراد نصرته وتأييده.

الإعلام الترفيهي يخلق فرداً مستهلك لا يشبع ولا يمل، أما الإعلام السياسي المضل فيخلق فرداً لا يدرك مفهوم الظلم، لأنه لا يعلم أن له حقوق أصلاً. فيكون الناتج؛ شعوب مستهلكة لا تطالب بحقوقها تحت إمارة حكومات متنعمة لا يقلقها طالب حق. لا ينبغي التجاهل بأن هناك مؤسسات إعلامية تسعى دائما بتوصيل الحق ومساعدة الجماهير بتوجيه رؤيتهم للحقائق والواقع. فكما أن لهذه الأداة دور فعال في تغيير منظورنا للواقع من الصواب للخطأ، فلها أيضا دور في تصحيح هذا المنظور على أسس موضوعية بعيدة كل البعد عن التلاعب بعواطف الفرد والمجتمع.

المشاعر والعواطف لا تمثل الحقائق، وإنما التصور الحقيقي يكتمل عندما يتكون لدينا قاعدة أخلاقية ثابتة ومبادئ لا تتغير ولا تتجزأ بتغير الزمان أو المكان، عندها فقط يكون في مقدرتنا أن نرى الواقع بنظرة مكتملة لما وراء الألوان المبهجة، فلا نغتر بها وإن كانت في أزهى وأبهج صورها. وما إن تحققت لدينا هذه النظرة المتكاملة، نبدأ بوضع التحليلات، ثم الحكم الأخير على أساس موضوعي ومنطقي، وبالله التوفيق.

مقالات ذات صله