الإرهاب على طريقة ألعاب الفيديو

الإرهاب على طريقة ألعاب الفيديو

على طريقة ألعاب القتل الإلكترونية، ظهر مهاجم مسجدي مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، يوم الجمعة، وهو يستمع للموسيقى ويصور على الهواء مباشرة تفاصيل جريمة قتله مصلين بدم بارد، مستبدلاً خزائن أسلحته بكل أريحية، ويقضي على أنين الجرحى دون رحمة، وكأنه يمارس ألعاب الفيديو رغم المذبحة التي ارتكبها.

لقطات محببة ولها جمالية لعبة فيديو، لكن سرعان ما يصبح من الواضح بشكل مرعب أن ما يجري تصويره ليس عملاً خياليًا، بل لقطات حقيقية بثها منفذ الهجوم لتفاصيل جريمته التي بدأها من مركبته، على غرار عمليات القتل في ألعاب الفيديو بعد أن نشر بيانًا ندد فيه بالمهاجرين ووصفهم بـ”الغزاة”.

“مجزرة دموية” على طريقة ألعاب الفيديو

كانت ثقافة الألعاب موجودة بالتأكيد في ارتكاب جريمة يوم الجمعة وأسلوبها، وكانت البندقية المرئية في اللقطات التي بثها منفذ الهجوم تذِّكر بصريًا بألعاب إطلاق النار، ورغم تشكيك الكثيرين في أن ألعاب الفيديو تلعب دورًا مباشرًا في الهجمات الإرهابية، فإن الثقافة التي يستهلكها أي شخص تتحدث عن كيفية القيام بذلك في حياته اليومية. 

اللافت في الفيديو الذي شاهده الملايين، كان نسبة تشابه مشاهد تنفيذ العملية الدموية بإستراتيجية لعبة بابجي”PUBG” الشهيرة

وفي البيان الذي نشره المهاجم الأسترالي، على وسائل التواصل الاجتماعي، وحرَّض فيه على القتل، أرجع دوافعه بسخرية إلى ألعاب الفيديو غير المتجانسة نسبيًا، مثل “”Spyro the Dragon و”Fortnite”، وهي نوع جديد من ألعاب الرماية التى تقوم بها عبر أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الألعاب، التي تسببت في تطرف المهاجمين، ويبدو أنها تقوض التصور الشائع بأن ثقافة الألعاب العنيفة لها تأثير جذري فقط.

هناك مثال آخر على مدى تأثر منفذ الهجوم بألعاب الفيديو، فقبل الهجوم، طلب المسلح من مشاهديه على الإنترنت الاشتراك في قناة يوتيوب الخاصة بـ” PewDiePi”، التي يتابعها 89 مليون شخص، في إشارة إلى أحد أشهر نجوم يوتيوب “بيو دي باي”، وهو اللاعب السويدي فيليكس أرفيد أولف شالبرغ الذي برع في مجالات مختلفة مثل الكوميديا والتعليق على ألعاب الفيديو ومدونات الفيديو، كما أحاطت به اتهامات بالترويج لموضوعات اليمين المتطرف، واجتذبت قناته انتقادات واسعة لثنائه على معاداة للسامية.   

صور تُظهر أوجه الشبه بين لعبة “PUBG” وعملية الهجوم على مسجدين في نيوزيلندا

الأهم من ذلك ما جرى في أثناء الهجوم الدموي الذي ماثل فيه مرتكب المجزرة ألعاب الفيديو، حيث ظهر في طريقه بشوارع مدينة كرايستتشيرش، مرتديًا لباسًا عسكريًا، وتعمد إظهار صوت جهاز تحديد المواقع، لتوجيهه يمينًا ويسارًا رغم معرفته بالطريق، وانطلقت بعدها موسيقى حماسية، كانت باللغة الصربية، وتشير إلى رادوفان كاراديتش، الملقب بـ”سفاح البوسنة”، وهو سياسي مدان بـ”ارتكاب إبادة جماعية” و”جرائم ضد الإنسانية” ضد المسلمين إبان حرب البوسنة (1992-1995)، ليتنقل بعدها في شوارع المدينة بين سياراتها، مواصلاً الاستماع للموسيقى.  

وبث منفذ الهجوم مقطعًا مباشرًا صادمًا عبر “فيسبوك ” يوثق العملية من بدايتها إلى نهايتها، سجله بواسطة كاميرا “غو برو” ثبتت على جسمه، ومنذ لحظة دخوله المسجد، شرع المهاجم في إطلاق الرصاص بشكل عشوائي من بندقية على عدد من المصلين، وواصل إطلاق النار حتى على المصابين الذين تكوموا على أرضية المسجد.

اللافت في الفيديو الذي شاهده الملايين، كان نسبة تشابه مشاهد تنفيذ العملية الدموية بإستراتيجية لعبة بابجي”PUBG” الشهيرة، بداية من لحظة فتح الصندوق الخلفي للسيارة، إذ بدت بداخله أسلحة آلية وغالونات حمراء غير معلوم ما بداخلها لكنها تظهر غالبًا في اللعبة.

كما ربط كثير من المتابعين طريقة تنفيذ الهجوم بألعاب الفيديو التي تلقى إقبالاً كبيرًا، رغم احتوائها مشاهد عنيفة، حيث تعمد القاتل تصوير مقدمة سلاحه لتبدو الصورة كما في اللعبة تمامًا، وسار به يقنص هذا وذاك ويتحول بالسلاح هنا وهناك، ويطلق النار على جثث المصلين على الجانبين بشكل عشوائي، في مشهد أعرب كثير من رواد مواقع التواصل عن عدم تصديقهم في البداية أنه حقيقي.

وفق ما ذكره موقع “يو إس نيوز”، يبدو أن منفذ العملية “استوحى” كل التفاصيل المذكورة سلفًا من ألعاب القتال والعنف المنتشرة على الهواتف الذكية

كذلك أثار انتباه الكثيرين طريقة تبديل مخزن الذخيرة أكثر من مرة وإطلاق النار على المارّة من السيارة التي كان يقودها بسرعة مجنونة مشابهة لألعاب الفيديو حين يهرب اللاعب من الشرطة، كما أن عودة “مهاجم نيوزيلندا” إلى سيارته واستبدال سلاحه تعد فكرة مستنبطة من ألعاب الفيديو التي يسمح فيها بتبديل الأسلحة وإعادة تحميلها ثم العودة إلى مكان تنفيذ الهجوم لاستكمال العملية.

ووفق ما ذكره موقع “يو إس نيوز”، يبدو أن منفذ العملية “استوحى” كل التفاصيل المذكورة سلفًا من ألعاب القتال والعنف المنتشرة على الهواتف الذكية، فالطريقة التي نُفذت بها العملية تشبه لعبة “كاونتر سترايك” أو “دووم”، حيث يتجول المهاجم في مختلف زوايا منطقة معينة ويطلق النار بشكل عشوائي على كل ضحاياه، ولا يغادر مكانه حتى يتأكد من وفاتهم جميعًا. 

أعلنت شركتا فيسبوك وتويتر يوم الجمعة أنهما ستحذفان المحتوى الذي يظهر إطلاق النار على مسجدين في نيوزيلندا، الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 49 شخصًا، لكن إذا كانت اللقطات التي صورها المهاجم – الذي يحمل الجنسية الأسترالية ويُدعى برينتون تارانت (28 عامًا) – تبدو وكأنها لعبة فيديو، فسيكون من الصعب للغاية على المصنف الآلي تحديد الفرق بين هذا الفيديو ولعبة الفيديو.

“الحياة لعبة فيديو”.. حين يكون العالم الافتراضي ملهمًا بالقتل

ألعاب الفيديو هواية مفضلة للأطفال والكبار على حد سواء، ومع توسع الإنترنت، أصبح مجال ألعاب الفيديو أكبر من أي وقت مضى، وعلى صعيد آخر، إنها بالكاد هواية غامضة يتمتع بها فقط مجموعة هامشية من غريبي الأطوار، ويحتمل أن تكون أكثر خطورة، وتتمتع ألعاب الفيديو بتاريخ طويل ومثير للقلق أكثر من كونها مرتبطة بمجرمين عنيفين، وقد تم توخيها باعتبارها الإلهام المباشر لبعض من أبشع الجرائم التي شهدها العالم.

وهناك الكثير من الجرائم الشهيرة المرتبطة بألعاب الفيديو التي سبقت حادثة الأمس، على سبيل المثال، في عام 2013، عوقب ناثون بروكس البالغ من العمر 14 عامًا، ومُنع من ممارسة ألعاب الفيديو، وبعد تلقيه الاحتجاز في المدرسة، قرر أن يفعل شيئًا حيال ذلك، في الليلة التي تلت العقاب، حصل بروكس على مسدس والديه وأطلق النار عليهما أثناء نومهما، لحسن الحظ، نجا كل من والديه، وحُكم على ناثون بالسجن لمدة 15 عامًا بسبب هجومه العنيف الذي لا معنى له على والديه.  

استخدم بيتريك مسدس والده لارتكاب جرائم القتل، وهو نفس نوع المسدس المستخدم في اللعبة، وعندما أخذ بيتريك البندقية، أخذ اللعبة أيضًا، وهرب بعد أن أطلق النار على والديه

في نيو هايد بارك بنيويورك، في 26 يونيو 2008، قام مجموعة من المراهقين بجريمتهم المستوحاة من لعبة الفيديو “جتا” (GTA )، أولاً، استخدم 3 منهم العنف لسرقة رجل بمحل بقالة في موقف للسيارات، بعد ذلك، سارت العصابة في شوارع نيو هايد بارك حتى صادفت امرأة في سيارتها، وبعد سرقة علبة سجائر من المرأة، شرعوا في تحطيم سيارة باستخدام واحدة من مضارب البيسبول التي أحضروها إلى مسرح الجريمة، وبعد القبض عليهم وسؤالهم عن دوافعهم، ذكروا أنها كانت لعبة فيديو “جتا” (GTA ) التي دفعتهم إلى ارتكاب هذه الجرائم.

هذه اللعبة أيضًا كانت أكثر ارتباطًا بالعنف، ففي واقعة أخرى بطلها ديفين مور، وهو قاتل أمريكي مولع بلعبة سرقة السيارات الكبرى “جتا”، قام مور في 7 من يوليو 2003، بعد احتجازه في مركز شرطة ألاباما للاشتباه في قيامه بسرقة سيارة، بإطلاق النار على 3 ضباط، ثم شرع في سرقة سيارة تابعة للشرطة والفرار من المركز، ثم تم القبض عليه بعد أربع ساعات في ميسيسيبي.

خلال المحاكمة، جادل محامو مور بأنه قام بارتكاب جريمة قتل بسبب حياة مليئة بالإيذاء البدني والعقلي فضلاً عن تقاربه لألعاب الفيديو العنيفة، كان مور معجبًا على وجه الخصوص بلعبة “جتا: مدينة الرذيلة”، في هذه اللعبة، يمكن للاعبين سرقة السيارات وقتل ضباط الشرطة وارتكاب أعمال تعذيب ضد زملائهم المجرمين، بعد إلقاء القبض عليه، أدلى مور ببيانات مثل “الحياة هي لعبة فيديو، الكل سيموت في وقت ما”، وفي 9 من أكتوبر/تشرين الأول 2005 ، حُكم على مور بالإعدام عن طريق الحقنة القاتلة.

بخلاف الحالات الأخرى المدرجة في هذه القائمة، فإن هذه الحالة لا تتعامل مع جريمة محددة ولكن مع العديد من الجرائم التي ربطتها الشرطة بألعاب الفيديو، في عام 2012، كانت ولاية نيوساوث ويلز في أستراليا تتعامل مع زيادة حادة في جرائم العنف بين المراهقين، كانت جريمة السكين على وجه الخصوص مصدر قلق للشرطة بعد مقتل بعض المراهقين وإصابة البعض واعتقالهم نتيجة حمل سكاكين، وصرح مفوض الشرطة أندرو سكيون بأنه يعتقد أن ألعاب الفيديو التي يكافأ فيها اللاعب على القتل والاغتصاب والتسبب في الفوضى هي السبب الأساسي للمشكلة.

مثلت بعض ألعاب الفديو الإلهام المباشر لبعض من أبشع الجرائم التي شهدها العالم

في واقعة أخرى، كان دانيل بيتريك مراهقًا أمريكيًا أطلق النار على والديه عام 2007، مما أدى إلى مقتل والدته وإصابة والده بجروح بالغة، كان هذا بعد أن صادروا نسخته من لعبةHalo  3، التي كانت محظورة في المنزل، استخدم بيتريك مسدس والده لارتكاب جرائم القتل، وهو نفس نوع المسدس المستخدم في اللعبة، وعندما أخذ بيتريك البندقية، أخذ اللعبة أيضًا، وهرب بعد أن أطلق النار على والديه، إلى أن أُلقي القبض عليه في سيارة العائلة بعد فترة وجيزة، ولا يزال هالو 3 في المقعد الأمامي، وأدين بيتريك وحُكم عليه بالسجن لمدة 23 عامًا.

كان آدم لانزا هو الرجل الذي قام بمذبحة إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك في 14 من ديسمبر 2012، وراح ضحيتها 27 شخصًا، أطلق لانزا النار على والدته عندما كانت نائمة، ثم توجه إلى مدرسة ساندي هوك الابتدائية مسلحًا ببنادق والدته وذبح 20 طفلاً و6 بالغين، وصف جميع من عرفوا لانزا بأنه وحيد منعزل اجتماعيًا قضى معظم وقته في لعب ألعاب الفيديو مثل لعبة “نداء الواجب” Call of Duty ولعبة “معدات الحرب” Gears of War في غرفة نومه بمنزل والدته، حيث كان يعيش.

حالة أخرى لا تحتاج إلى مقدمة، في 20 من أبريل 1999، دخل إريك هاريس وديلان كليبولد مدرسة كولومبين الثانوية وفتحوا النار على الطلاب والمدرسين، مما أسفر عن مقتل 12 طالبًا ومعلمًا قبل أن يقتلوا أنفسهم  ببنادقهم الخاصة، عندما انتهت المذبحة، سأل الكثير من الناس عن سبب ارتكاب هذين المراهقين لمثل هذا العمل الشنيع، كان هناك العديد من النظريات المختلفة من الغضب والعزلة إلى المرض العقلي، أحد أكثر تأثيرات الألعاب شيوعًا حتى يومنا هذا هو تأثيرات لعبة فيديو “الموت” DOOM على هاريس وكليبولد، اللذان كانا معجبين بشدة باللعبة. انتشرت بعد ذلك نسحة متطورة للعبة فيديو تستند إلى إطلاق النار تسمى”Super Columbine Massacre RPG” تم إصدارها من قِبل المطور المستقل داني ليدون.   

أعاد “هجوم المسجدين” الحديث عن مخاطر ألعاب الفيديو التي غالبًا ما تستهدف الأطفال الصغار والشباب، ويحذر الخبراء دائمًا من التأثيرات الوخيمة لألعاب العنف على ذهن وأعصاب اللاعبين

يعد أندرس بريفيك أكثر مطلقي النار على الجماعات فتكًا في تاريخ البشرية، حيث أودى بحياة 69 شابًا في معسكر سياسي للشباب في النرويج في 22 من يوليو 2011، بعد مقتل ثمانية آخرين بقصف مبنى حكومي، بدوافع سياسية، بما يُعتقد أنه “أسلمة” النرويج على يد حزب العمال النرويجي، هذا الغضب هو الذي دفعه إلى مهاجمة معسكر شباب الحزب، معتقدًا أنه يجب القضاء على الجيل القادم من حزب العمل.

وفقًا لبيانه، كان بريفيك لاعبًا متحمسًا في ألعاب مثل “Call of Duty: Modern Warfare 2World of Warcraft” التي استخدمها بريفيك من أجل الاسترخاء، بينما استخدم لعبة كمحاكي للتدريب، بعد أن لعب اللعبة باستخدام جهاز الهولوغرام حتى يبدو اللعب ثلاثي الأبعاد، كان هذا الإصدار من اللعبة قد أشغل الجدل بسبب أحد مستويات اللعبة المُسمى “لا للروس”، الذي يرتكب فيه اللاعبون هجومًا إرهابيًا في مطار ضد المدنيين الأبرياء.  

وكما يحدث بعد جريمة أو هجوم سبق ذكره، أعاد “هجوم المسجدين” الحديث عن مخاطر ألعاب الفيديو التي غالبًا ما تستهدف الأطفال الصغار والشباب، ويحذر الخبراء دائمًا من التأثيرات الوخيمة لألعاب العنف على ذهن وأعصاب اللاعبين، قائلين إن هذه النوعية من الألعاب تؤدي إلى ترسبات في داخلهم تقودهم إلى العنف من دون وعي، خصوصًا في المجتمعات التي تغيب فيها التربية والتوعية. 

مقالات ذات صله