ما الذي يحدث إذا توقفت حقا عن استخدام فيسبوك؟

ما الذي يحدث إذا توقفت حقا عن استخدام فيسبوك؟


بينيديكت كاري – بات استخدام فيسبوك من بين العادات الرقمية الأكثر شيوعا في العالم التي يصعب الاستغناء عنها، رغم موجة الانتقادات التي طالت هذه المنصة على خلفية انتهاك خصوصية المستخدمين والانقسامات السياسية التي ساهم فيسبوك في تعميقها، إلى جانب تنامي المخاوف بشأن تأثير هذه العادة على صحة الأفراد العاطفية.

في حين يدعي أربعة من بين كل عشرة مستخدمين لفيسبوك أنهم ابتعدوا عن تصفح الموقع لفترات طويلة، لا زالت هذه المنصة الرقمية تواصل النمو. وحسب دراسة حديثة، فإنه لابد أن يتلقى المستخدم العادي مبلغا يتراوح بين ألف وألفي دولار من أجل التخلي عن استخدام فيسبوك لمدة سنة. فما الذي يحدث إذا توقفت حقا عن استخدام فيسبوك؟ تقدم هذه الدراسة نظرة شاملة عن هذه المسألة.

من المتوقع أن تكون النتائج سريعة إلى حد ما، حيث سيتمكن الفرد من تخصيص مزيد من الوقت للعائلة والأصدقاء، وسيكون أقل اطلاعا على الميدان السياسي وبالتالي بعيدا عن حمى التحالفات الحزبية التي من شأنها أن تعكر مزاجه. وتساعد الدراسة التي أجراها باحثون في جامعتي ستانفورد ونيويورك على تقديم توضيحات بشأن الجدال المستمر حول تأثير فيسبوك على سلوك المستخدمين النشطين وتفكيرهم وحتى ميولات السياسية، مع العلم أن عدد مستخدمي هذه المنصة الإجمالي بلغ 2.3 مليار شخص في جميع أنحاء العالم. وقد نُشرت هذه الدراسة مؤخراً على موقع شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية.

على مدى سنوات، أصر أحد علماء النفس على أن استخدام فيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي يرتبط بصفة مباشرة بأمراض الاضطراب العقلي، خاصة لدى المراهقين

حيال هذا الشأن، قال الطالب الجامعي بمقاطعة ماديسون من ولاية ويسكونسن البالغ من العمر 23 سنة، آرون كيلي: “بالنسبة لي، يعد فيسبوك من بين النشاطات التي يصعب مقاومتها، وعلى الرغم من اعتقادي أنه مفيد حقا إلا أنني أشعر بأنه مضيعة للوقت لأنه يصرفني عن الدراسة وأجد نفسي أتصفحه كلما شعرت بالملل”. وقد شارك كيلي، الذي أفاد بأنه يقضي حوالي ساعة يوميا على فيسبوك، في هذه الدراسة لأنه يعتقد أنه “من الجيد التوقف عن استخدام فيسبوك لاكتشاف ما سيحدث بعد ذلك”.

في إطار هذه الدراسة، خاض العلماء والمستخدمون العاديون لفيسبوك نقاشا حول مدى مساهمة هذا الموقع في التأثير على التجارب اليومية للأشخاص، وقد كشفت نشرات الأخبار لاحقا عن تورط شركة فيسبوك في تسريب بيانات مستخدمي الموقع دون الحصول على موافقتهم.

على مدى سنوات، أصر أحد علماء النفس على أن استخدام فيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي يرتبط بصفة مباشرة بأمراض الاضطراب العقلي، خاصة لدى المراهقين. وشبه أخصائيون آخرون في هذا المجال تصفح فيسبوك بانتظام بالإدمان على المخدرات، كما نشروا صورا بالرنين المغناطيسي توضح ما يبدو عليه دماغ الشخص المدمن على استخدام فيسبوك. وقد تعرضت شركة فيسبوك إلى موجة من الانتقادات اللاذعة إثر نشرها لتحليل ردا على هذه الادعاءات. 

تعكس هذه الدراسة الحديثة، والتي تمثل تجربة عشوائية ممولة من قبل مؤسسة ألفريد سلون الداعمة للبحوث في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، تصويرا دقيقا ومتوازنا لما ينجر عن الاستخدام اليومي لموقع فيسبوك، والذي من المحتمل أنه لن يحظى بتأييد النقاد أو مؤيدي هذا الموقع.

وضح مسؤول في شركة فيسبوك أن “هذه الدراسة واحدة من بين العديد من الدراسات التي تتطرق إلى هذا الموضوع، ولابد أن نتعامل معها على هذا الأساس”.

لم يخضع هذا البحث أو التحليلات المماثلة التي أجرتها مجموعات بحثية أخرى لمراجعة الأقران إلى الآن. وقد طلبت صحيفة “نيويورك تايمز” من خمسة خبراء مستقلين النظر في منهجية ونتائج  الدراسة. وقال مدير مبادرة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول الاقتصاد الرقمي، إﺭﻳﻚ ﺑﺮﻳﻨﺠﻮﻟﻔﺴﻦ، إن “هذا العمل مثير للإعجاب، حيث يبلي الخبراء البلاء الحسن في دراسة العلاقات السببية. وتعتبر هذه الدراسة الطريقة الصحيحة للإجابة عن هذا النوع من الأسئلة، إذ تجسد المعيار الأساسي الذي تستند إليه البحوث العلمية. كما أن الكثير مما سمعناه من قبل حول تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي يقوم فقط على دراسات استقصائية”.

في بيان أعد مسبقا، وضح مسؤول في شركة فيسبوك أن “هذه الدراسة واحدة من بين العديد من الدراسات التي تتطرق إلى هذا الموضوع، ولابد أن نتعامل معها على هذا الأساس”. وقد تبين أن هذا البيان اقتبس من الدراسة نفسها، حيث أشارت إلى أن “فيسبوك يقدم فوائد كبيرة لمستخدميه”، كما أن “أي جدال حول التأثيرات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي لا ينفي حقيقة أن هذه المواقع تلبي احتياجات عميقة وواسعة النطاق”.

شارك الأستاذ في علم الاقتصاد بجامعة نيويورك هانت ألكوت، إلى جانب الباحث بجامعة ستانفورد ماثيو جينتكو، إعلانات على صفحات فيسبوك بهدف حشد مستخدمين تتجاوز أعمارهم 18 سنة ويتصفحون فيسبوك لمدة لا تقل عن 15 دقيقة يوميا. وتوصل الباحثان إلى أن معدل الاستخدام اليومي لموقع فيسبوك لدى بعض الأفراد قدر بساعة، وتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات بالنسبة لمستخدمين آخرين.

صرّح بعض المشاركين بأنهم لم يدركوا فوائد هذه المنصة الاجتماعية إلا بعد أن تخلّوا عن استخدامها. وفي هذا الخصوص، قالت كوني جريفز البالغة من العمر 56 سنة، وهي مساعدة رعاية صحية محترفة في مدينة تكساس ومن بين المشاركين في هذه الدراسة: “ما افتقدته فعلا هو اتصالاتي وعلاقتي بالأشخاص، ولكنني افتقدت أيضا بث الأحداث عن طريق خدمة البث المباشر “فيسبوك لايف” ومتابعة السياسة، لاسيما وأنني أواكب هذه الأحداث مع أشخاص مهتمين بالمواضيع ذاتها. كما أدركت أيضا أنني أحب مواكبة كل الأخبار والحصول على جميع المعلومات من مكان واحد فحسب”.

أشار المشاركون الذين امتنعوا عن استخدام هذا الموقع إلى أنهم نجحوا في التمتع بهامش من الحرية لمدة ساعة في اليوم، وأكثر من ضعفي ذلك بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمونه بشكل مفرط

آثرت غريفز صحبة زملائها، الذين أحجموا عن استخدام فيسبوك، استعمال تطبيق الدردشة فيسبوك ماسنجر طوال فترة الدراسة، مشيرة إلى أن هذا التطبيق مختلف عن منصة فيسبوك. وقد قرر فريق البحث السماح لهم باستخدام هذا التطبيق لأنه يتشارك العديد من أوجه الشبه مع خدمات التواصل الاجتماعي المباشرة. وحين انقضى شهر على هذه الدراسة، ملأ الأشخاص الذين امتنعوا عن استخدام فيسبوك والمراقبون استطلاعات مكثفة لتقييم التغيرات التي طرأت على حالتهم الذهنية ووعيهم السياسي وميولهم الحزبية وأنشطتهم اليومية منذ بداية هذه التجربة.

أشار المشاركون الذين امتنعوا عن استخدام هذا الموقع إلى أنهم نجحوا في التمتع بهامش من الحرية لمدة ساعة في اليوم، وأكثر من ضعفي ذلك بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمونه بشكل مفرط. كما بيّن المشاركون أنهم أمضوا فترة أطول مع الأصدقاء والعائلة أو في مشاهدة التلفزيون حين لم يكونوا في وضع اتصال بشبكة الإنترنت.

أعرب الدكتور جنتزكوف عن اندهاشه الشديد من عدم استخدام المشاركين في هذه الدراسة بديلا آخر عن فيسبوك، حيث توقع أن يلجأوا إلى بدائل رقمية أخرى على غرار تويتر أو سناب شات أو تصفح المواقع على الإنترنت. وفي اختبارات المعرفة السياسية، أظهرت النتائج أن المعلومات التي كانت بحوزة المشاركين قبل تعطيل حساباتهم قد تراجعت قليلا مقارنة بما كانت عليه في السابق.

في هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية وعلوم المعلومات والكمبيوتر في جامعة نورث إيسترن الأمريكية ديفيد لازر أن “النتائج المتعلقة بالمعرفة السياسية أظهرت أن فيسبوك يعتبر مصدرًا هامًا للأخبار السياسية التي يوليها الناس اهتماما خاصا”. وحذر لازر من “الاستهانة بهذه النتائج، التي يمكن تأويلها في كلا الاتجاهين. ويبدو أن المحادثات والمعلومات على فيسبوك كانت تزاحم استهلاك الأخبار على المواقع الأخرى”.

أفضت هذه الدراسة إلى نتيجة ملفتة للنظر، حيث تبيّن أن إلغاء تنشيط الحساب الشخصي على موقع فيسبوك بشكل مؤقت له تأثير إيجابي بسيط على الحالة المزاجية للأشخاص ومدى رضاهم عن الحياة

لقد كانت النتائج المتعلقة بمقاييس الاستقطاب السياسي مختلطة على الرغم من أن معيار “الاستقطاب بشأن القضايا” شهد تراجعا بين الممتنعين عن استخدام فيسبوك من خمسة بالمائة إلى حدود 10 بالمائة، في حين حافظت مجموعة المراقبة على معدلها العادي. وقد أكد الدكتور جنتزكوف أنه “من الصعب معرفة ما يجب فعله إزاء هذا الأمر. ومن المحتمل أن يؤدي الاطلاع على الكثير من الأخبار السياسية المنشورة على موقع فيسبوك إلى استقطاب الأفراد. ولكن عدم تصفحهم للموقع لا يعني بالضرورة أنهم يقضون ذلك الوقت الإضافي لقراءة صحيفة نيويورك تايمز”.  باختصار، قد يؤدي الحد من الاطلاع على المعلومات والأخبار السياسية إلى انخفاض الميل نحو التحزّب، على الرغم من أن العلاقة بين هاتين المسألتين لا تزال غير واضحة إلى الآن.

من جهة أخرى، أفضت هذه الدراسة إلى نتيجة ملفتة للنظر، حيث تبيّن أن إلغاء تنشيط الحساب الشخصي على موقع فيسبوك بشكل مؤقت له تأثير إيجابي بسيط على الحالة المزاجية للأشخاص ومدى رضاهم عن الحياة؛ وهو ما يتعارض مع الافتراض الشائع بأن الاستخدام الدائم لمواقع التواصل الاجتماعي يسبب اضطرابات نفسية حقيقية.

إن هذا المفهوم مستمد جزئياً من الاستطلاعات التي تطرقت إلى المدة التي يقضيها الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي وتأثير ذلك على حالاتهم المزاجية. فعلى سبيل المثال، وجدت الأبحاث التي أجراها أستاذ علم النفس في جامعة ميشيغان الأمريكية إيثان كروس أن التصفح السلبي على المنصات الاجتماعية بشكل كبير يؤدي إلى تراجع الحالة المزاجية، مقارنة بآثار المشاركة النشطة التي تعمل على تحسين المزاج.

لكن الأبحاث السابقة لم تستطع أن تتوصل بشكل قاطع إلى معرفة ما إذا كانت المشاكل المتعلقة بالمزاج ناتجة عن الاستخدام المفرط للمنصات الاجتماعية، أم أن الأشخاص المزاجين يميلون إلى الاستخدام المكثف لهذه المواقع. وقد أيدت الدراسة الجديدة التفسير الأخير. وإن كان الاستخدام المكثف لموقع فيسبوك يسبب تقلبات مزاجية، فإن الباحثين كانوا يتوقعون أن تشهد الحالة المزاجية للأشخاص الذين يستخدمون هذا الموقع بشكل مكثّف تحسنا كبيرا مقارنة بالمستخدمين المعتدلين. لكن هذا الأمر لم يحدث، مما يشير إلى أن الفئة الأولى من المستخدمين كانوا متقلبي المزاج قبل أن ينغمسوا بعمق في استخدام فيسبوك.

أثبت علماء النفس وعلماء الحاسوب أن المنصات الاجتماعية تسبب الإدمان، وعدد قليل من مستخدمي فيسبوك يختلفون مع هذا الرأي

خلال مقابلة له، كشف الدكتور كروس أنه من السابق لأوانه التوصل إلى نتائج قاطعة بشأن الآثار النفسية للتخلي عن استخدام فيسبوك. وأشار كروس إلى دراستين عشوائيتين حديثتين على نطاق أضيق بيّنتا أن الحالة المزاجية للمستخدمين قد تحسنت عندما وضعوا حدا لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي. وذكر كروس أن “ما يمكن استخلاصه من هذه الورقات البحثية الثلاث؛ دراسة ستانفورد والدراستين اللتين أُجريتا على نطاق أضيق، هو أننا بحاجة إلى معرفة المزيد حول كيف ومتى يؤثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على رفاه الشخص، ولا نستنتج أن العلاقة بينهما غير موجودة بتاتا أو أنها موجودة بشكل بسيط جدا”.

حتى الآن، غالبا ما يركز النقاش حول آثار مواقع التواصل الاجتماعي على الصحة العقلية للأطفال والمراهقين، وليس على المستخدمين الأكبر سنا الذين كانوا محور الدراسة الجديدة. وفي هذا الإطار، أوضحت جان ماري توينجي، وهي طبيبة نفسية أمريكية ومؤلفة كتاب “أي جين”، أنه “من حيث الفئات العمرية، تقارن هذه الدراسات بين التفاح والبرتقال. لماذا يكون أطفال اليوم المتصلين بشبكة الإنترنت بشكل كبير أقل تمردا وأكثر تسامحا، وأقل سعادة. ومن الواضح أن ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي والرفاهية تختلف بين المراهقين وأولئك الذين تجاوزوا سن الثلاثين”.

لقد أثبت علماء النفس وعلماء الحاسوب أن المنصات الاجتماعية تسبب الإدمان، وعدد قليل من مستخدمي فيسبوك يختلفون مع هذا الرأي. وقد قدمت التجربة الجديدة الكثير من الأدلة التي تدعم هذه النظرية. فبعد انتهاء هذه التجربة، كشف الأشخاص الذين أحجموا عن استخدام هذا الموقع لمدة شهر أنهم يعتزمون الحد من استخدامه في المستقبل، وقاموا بذلك بالفعل على الأقل لفترة من الزمن.

كان ما يقارب 10 بالمائة من المشاركين يمتنعون عن استخدام فيسبوك بعد مضي أسبوع على انتهاء التجربة مقارنة بثلاثة بالمائة من مجموعة المراقبة الذين آثروا إيقاف تشغيل حساباتهم على هذا الموقع عن طواعية، بينما امتنع خمسة بالمائة عن استخدامه حتى بعد مرور شهرين مقارنة بنسبة 1 بالمائة ضمن مجموعة المراقبة.

من جهة أخرى، أثبتت الحوافز المالية الممنوحة مقابل التخلي عن استخدام فيسبوك أنها دافع آخر يكشف قصصا مشابهة. وبعد انتهاء فترة الدراسة التي دامت شهرا كاملا، طلب الباحثون بشكل افتراضي من الممتنعين على استخدام فيسبوك تحديد المبلغ الذي يحتاجونه مقابل عدم استخدام هذا الموقع لمدة شهر آخر. وهذه المرة، انخفض السعر إلى أقل من 100 دولار، ولكن ليس للجميع. وفي هذا الصدد، قالت غريفز، التي لا تزال محجمة عن استخدام فيسبوك إلى الآن: “أخبرتهم أنني سأمنحهم 200 دولار مقابل الاستمرار أربعة أسابيع أخرى على الأقل”.

المصدر: نيويورك تايمز

مقالات ذات صله