يجب على فيسبوك أن يتوقف عن التظاهر بأنَّه يغير العالم

يجب على فيسبوك أن يتوقف عن التظاهر بأنَّه يغير العالم

كان هناك ملك حكيم في مصر القديمة يُدعى تحاموس. زاره في أحد الأيام إلهٌ بارع يُدعى تحوت.

اخترع تحوت كثيراً من الأشياء المفيدة مثل: علم الحساب وعلم الهندسة وعلم الفلك وأحجار النرد. لكنَّ اكتشافه الأعظم من وجهة نظره «كان استخدام الحروف». وكان هذا الاختراع هو أكثر اختراع تحمَّس تحوت لمشاركته مع الملك تحاموس.

قال تحوت إنَّ فن الكتابة «سيجعل المصريين أكثر حكمة ويمنحهم ذاكرةً أفضل، إنَّه مفيد خاصةً للذاكرة والفطنة».

لكنَّ تحاموس رفض فكرته. وقال له: «يا تحوت يا أبرع المخترعين، مخترع أي فنٍ لا يكون أبداً هو الحَكَم الأفضل على فائدته لمستخدميه».

وواصل الملك كلامه: «اكتشافك سيخلق النسيان في أرواح المتعلمين، لأنَّهم لن يستخدموا ذكرياتهم، سيثقون بالحروف الخارجية المكتوبة ولن يتذكروا بأنفسهم».

واختتم تحاموس قائلاً إنَّ الكلمات المكتوبة «لن تمنح طلابك الحقيقة، بل شكلها فقط، سيستمعون لكثيرٍ من الأشياء، لكنَّهم لن يتعلموا أي شيء، سيظهرون بمظهر من يعرف كل شيء، لكنَّهم لا يعرفون شيئاً في الحقيقة، سيكونون رفقةً مضجرة، ترتدي مظهر الحكمة لكن لا تتسم بها».

مرحباً بك في فيسبوك.

القصة التي استشهد بها هنا من كتاب أفلاطون «Phaedrus»، وهذه الكلمات المنسوبة لسقراط عمرها حوالي 2400 عام. لكنَّها مرتبطة بما يحدث هذا الأسبوع بفضل الاستقصاء المطول الذي أجرته صحيفة The New York Times بشأن الإجراءات التي اتخذها موقع فيسبوك لخدمة مصالحه الخاصة وهو يشقّ طريقه دون خجل وسط عامٍ من الفضائح العلنية التي أضرت بسمعته مثل: كارثة التضليل الروسي، وفضيحة شركة Cambridge Analytica لجمع وتحليل البيانات، والاختراق الأمني العملاق.

نحن الآن نعلم أنَّ الشركة سعت أيضاً للتستر على مدى عمق التلاعب الروسي بانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016 من خلال منصتها، بينما تنشر قصصاً كيدية ضد خصومها في عالم الأعمال ومنتقديها مثل جورج سوروس. تنكر شركة فيسبوك بعض ادعاءات صحيفة The New York Times، لكن من العدل أن نقول إنَّ سمعة الشركة الآن في نفس وضع سمعة شركة Philip Morris للسجائر وسمعة شركة Purdue Pharma للأدوية المسكنة في ما يتعلق بإضرارهما بصحة العامة.

ولا يمكننا سوى أن نقول إنَّ الوقت قد حان أخيراً لذلك.

قصة الوعود الخيالية المبالغ فيها لما يمكن أن تحققه التكنولوجيا وآثارها المدمرة غير المقصودة ليست بالقصة الجديدة. العجيب هنا أنَّها تبدو وكأنها تفاجئنا باستمرار. لماذا؟

جزء من السبب يكمن في أنَّنا عادةً ما ننسى أنَّ التكنولوجيا جيدة بقدر البشر الذين يستخدمونها. نريد منها أن تسمو بنا، لكنَّنا نميل للانحطاط بها. في عالمٍ أفضل، كان من الممكن أن يكون تويتر لوحة رقمية للأفكار، وساحة للحوار الذي يثري العامة. لكنَّنا حولناه إلى بالوعة للعقل الأميركي. كان من المفترض أن يؤدي فيسبوك دوره كمنصة لتحسين التفاعل البشري، وليس كأداة للأشخاص الوحيدين ليزيدوا من عزلتهم عمقاً.

صحيحٌ أنَّ فيسبوك وعمالقة وادي السيليكون الأخرين لم يقدموا شركاتهم كشركاتٍ تسعى للربح، لكنَّهم فعلوا ذلك كحركاتٍ تسعى لتحقيق المُثُل والقيم. فرسالة فيسبوك تقول: «لنجعل العالم أكثر انفتاحاً واتصالاً». وهدف شركة تسلا هو: «تسريع تحول العالم إلى استخدام الطاقة المستدامة». وشعار جوجل كان «لا تكن شريراً»، على الأقل قبل أن تتخلى عنه بهدوء في وقتٍ سابق من هذا العام.

لكنَّ السبب الأعمق لكون التكنولوجيا عادةً ما تخذلنا وتخوننا هو أنَّها تعدنا بتسهيل أشياء من المفترض بها أن تكون صعبةً بطبيعتها.

التغريد والسخرية أشياءٌ سهلة، في حين أنَّ إتقان فنون الحوار والنقاش المعتدل هو أمرٌ صعب. إرسال الرسائل النصية أو الدردشة أمرٌ سهل، لكنَّ كتابة خطابٍ جيد أمرٌ صعب. البحث عن الأشياء على جوجل سهل، لكنَّ معرفة ما يجب البحث عنه في المقام الأول مسألة صعبة. ومن السهل الحصول على 1000 صديقٍ على فيسبوك، ولكن من الصعب الحفاظ على 6 أو 7 أصدقاء مقربين لعدة سنوات. من السهل أن تُعلِن عن إعجابك بشخصٍ على تطبيق تيندر للمواعدة، لكن من الصعب إيجاد الحب والحفاظ عليه.

هذا ما كان يقصده سقراط (أو تحاموس) عندما لم يستحسن الكلمة المكتوبة: أنَّها تمنحنا مخرجاً. توهمنا بأنَّنا يمكننا أن نبقى على دراية واتصال، حتى إذا تجنبنا عبء الانتباه وحضور العقل وقوة الذاكرة. قد يبدو هذا غريباً اليوم. لكن كم عدد المشكلات التي يمكننا حلها في حياتنا الشخصية والعملية ومشاكل بلادنا إذا تخلينا عن الاعتماد على الطرق المختصرة؟

إذا قرأت تقارير صحيفة The New York Times حول كيفية تعامل فيسبوك مع مشاكله، سيصدمك السعي اليائس لمارك زوكربيرغ وشيريل ساندبيرغ لاستخدام الكياسة والخداع لحل أزمة ثقة كبيرة لكنَّها بسيطة، بمساعدة المستشارين وجماعات الضغط والتحديثات. فكما هو الحال في الحب والقواعد اللغوية للكتابة، اكتساب الثقة والحفاظ عليها أمر صعب، ولا توجد طرق مختصرة لهذا.

يجب على فيسبوك أن يبدأ من جديد. ويعود للعمل على الأساسيات. ويتوقف عن التظاهر بأنَّه يغير حال العالم. ويبذل المزيد للعمل بأسسٍ أخلاقية وشفافية ومسؤولية. ويجب أن يتقبل أنَّ العمل سيستغرق وقتاً. أغلِق حسابك على فيسبوك مرةً في عطلة نهاية الأسبوع. واقرأ كتاباً قديماً بدلاً من ذلك.

– هذا الموضوع مترجم من قبل عربي بوست عن صحيفة The New York Times يالأميركية.

مقالات ذات صله