ما الذي يتطلع إليه الأطفال ولا يحصلون عليه فيتجهون للألعاب؟

ما الذي يتطلع إليه الأطفال ولا يحصلون عليه فيتجهون للألعاب؟

تمر الساعة الأولى والثانية والثالثة والأولاد لا يتزحزحون عن الكرسي المقابل لشاشة التلفزيون. يطلقون الصراخ والبكاء على شخصيات لعبة Fortnite، فيحظرون أصدقاءهم مرة انتقاماً، ويبتهجون مرة أخرى. ينسون تناول الطعام حتى ولا يخرجون من الحالة التي تسيطر على كل حواسهم إلا أبطالاً أو مكتئبين.

يقلق آباءٌ كثيرون مما قد يبدو هوس أطفالهم بألعاب الفيديو. فلعبة Fortnite – أحدث صيحة في عالم ألعاب الفيديو- حلت كعاصفة اجتاحت العالم بأكثر من 125 مليون مستخدم -، ما جعل الآباء يتساءلون ما إذا كانت ألعاب إطلاق النار والقتل مناسبة للأطفال أم لا.

الإجابة المختصرة هي «نعم»، لعبة Fortnite لا بأس بها بشكل عام. وعلاوة على ذلك، يمكن للآباء أن يتنفسوا الصعداء عندما يعرفون أنَّ الأبحاث تشير إلى أنَّ ألعاب الفيديو (بحد ذاتها) لا تُسبِّب اضطراباتٍ مثل الإدمان، وفق ما يؤكد الخبير في ألعاب الفيديو ومؤلف كتاب Hooked نير إيال.

لكن الموضوع أكبر من ذلك. لتقديم إجابة شاملة على سؤال ما إذا كانت ألعاب الفيديو ضارة أم لا، لا بد أن نأخذ في الاعتبار عوامل أخرى.

لعبة Fortnite هي آخر مثال على وسيلة لهو قضى بعض الأطفال في لعبها وقتاً أكثر من الوقت المقبول لهم. لكن الآباء يحتاجون إلى فهم سبب لعب الأطفال هذه الألعاب، ومتى يقلقون، ومتى يطمئنون.

هل تسبب لعبة Fortnite الإدمان؟

أصبحت كلمة «إدمان» هذه الأيام منتشرة. ومن الشائع أن تسمع أَناساً يقولون إنَّهم يدمنون أكل الشوكولاتة أو شراء الأحذية، لكن إذا كان ذلك لا يُسبِّب ضرراً جللاً ويعيق الوظائف اليومية، فهذا ليس بإدمان. هذا إسراف.

هذا ليس مجرد تلاعب بالألفاظ. فالإدمان يتضمَّن غياب السيطرة على الرغم من وجود عواقب سيئة. فقد يقلق الآباء من إدمان أبنائهم، ولكن إذا كان الطفل يستطيع أن يبتعد عن اللعبة ليشارك العائلة الحديث على العشاء، ويُبدي اهتماماً بنشاطات أخرى مثل الرياضة والتواصل الاجتماعي مع أصدقائه، فهو ليس بمدمنٍإذاً.

بشكل عام، يُصاب الآباء بالذعر عندما يسرف الأطفال في لعب ألعاب الفيديو على حساب أشياء أخرى، مثل المذاكرة أو المساعدة في الأعمال المنزلية. ولكن الحقيقة أن تجنَّب الأطفال هذه الأنشطة يتم منذ زمنٍ بعيد.

امتناع الأطفال عن المساعدة أقدم من ألعاب الفيديو!

وهناك أيضاً حقيقة صحيحة بنفس القدر، تتمثَّل في أنَّ الآباء لطالما اشتكوا من أطفالهم غير المتعاونين، قبل زمنٍ بعيد من اتصال أول لعبة فيديو بالمقبس.

في الحقيقة، اتضح أنَّ لعب ألعاب الفيديو بمعدل معتدل قد يكون مفيداً. إذ كشفتدراسة أجراها د. أندرو برزيبيلسكي في جامعة أكسفورد أنَّ لعب ألعاب الفيديو لمدة ساعة يومياً يُحسِّن الصحة النفسية، بينما يرتبط الإفراط في اللعب، أي اللعب لأكثر من 3 ساعات يومياً، بتراجع الصحة النفسية.

ما الذي يتطلع إليه الأطفال ولا يحصلون عليه فيتجهون للألعاب؟

يجب أن يكون السؤال الحقيقي هو ما الذي يجعل من ألعاب الفيديو التسلية المفضلة لدى الملايين من الأطفال؟ ما السبب في صعوبة إبعاد الأطفال، حتى غير المدمنين منهم، عن ألعاب الفيديو في بعض الأحيان؟

ترتبط الإجابة بالطريقة التي تُلبِّي بها الألعاب الاحتياجات النفسية الأساسية.

تلبي لعبة Fortnite -مثلها مثل أي لعبة فيديو مصممة جيداً- ما نتطلع إليه جميعاً. فوفقاً لرأي د. إدوارد ديسي ود. ريتشارد ريان، يحتاج الناس لـ 3 أشياء كي يشعروا بالتحسن.

  • فنحن نبحث عن الجدارة، أي الحاجة للتفوق، والتطور، والإنجاز، والنمو.
  • ونحتاج إلى الذاتية، أي الحاجة إلى الإرادة والحرية والسيطرة على خياراتنا.
  • وأخيراً، نتوق إلى الارتباط، أي الحاجة للشعور بأنَّنا مهمون للآخرين، وأنَّ الآخرين مهمون بالنسبة لنا.

ووفقاً لموقع The Next Web، إذا نظرنا لحالة أطفال هذه الأيام، سنجد أنَّ الكثيرين منهم لا يحصلون على ما يكفيهم من هذه العناصر الأساسية الثلاثة.

في المدرسة لا كلمة لهم على ما يقومون به

فالمدرسة، حيث يقضي الطفل معظم وقته الذي يكون مستيقظاً فيه، هي في كثير من الأحيان النقيض للمكان الذي يشعر فيه الأطفال بالتمكُّن والذاتية والارتباط. ففي هذا المكان، هناك مَن يخبرهم بما يفعلون، وأين يكونون، وفيم يفكرون، وماذا يرتدون، وماذا يأكلون.

تنتظم حركاتهم على أصوات الأجراس والمنبهات بدقة كأنَّهم ماشية في مزرعة، بينما يُبدي المُدرِّسون آراءهم في موضوعات لا تهم الطلبة كثيراً. وإذا شعروا بالملل وأرادوا الانصراف، يتعرَّضون للعقاب.

وإذا أرادوا تعلُّم شيءٍ آخر، يُقَال لهم أن يلتزموا الصمت. وإذا أرادوا التعمُّق في موضوعٍ ما، فإنهم يُلزمون بمسار واحد. بالطبع هذا ليس ما يعيشه كل الطلاب، وهناك دول ومدارس ومعلمون يستخدمون أساليب مختلفة لتعليم الأطفال. لكن في حين يقول البعض إنَّ فرض النظام والسيطرة يُمثِّلان هيكلاً تنظيمياً، لا يخفى على أحد السبب الذي قد يتسبَّب في معاناة المعلمين والطلاب لإيجاد الحافز المناسب داخل الفصل الدراسي.

أما في اللعبة فلهم كامل الحرية في إصدار القرارات

يشعر ممارسو الألعاب بالتمكُّن عندما يستخدمون عناصر قوتهم لبلوغ أهدافهم. وفي اللعبة، يحظى اللاعب بالذاتية في إطلاق الطلقات، ويفعل ما يريد، ويختبر استراتيجيات مبتكرة لحل المشكلات. وتُعَد الألعاب أيضاً منافذ اجتماعية يمكن للاعبين فيها الشعور بالارتباط.

في لعبة Fortnite على سبيل المثال، عادةً ما يتلاقى اللاعبون في بيئةٍ افتراضية لتبادل الأحاديث والتفاعل الاجتماعي، لأنَّ فعل ذلك في العالم الحقيقي عادةً ما يكون متعباً أو بعيد المنال.

وبينما كان يُسمَح للأطفال من الأجيال السابقة اللعب ببساطة بعد المدرسة وتكوين روابط اجتماعية قوية، يتربَّى الكثير من أطفال اليوم على يد آباء يملؤهم الخوف ويُثقِلهم العمل الكثير ويُصِرُّون إما على أن يَحضرَ أبنائهم برنامجاً صارماً مُنظَّماً بعد الدوام المدرسي، أو أن يبقوا في المنزل يحبسهم قفلٌ ومفتاح.

ولا يجب أن نتفاجأ عندما يؤدي هذا الحبس الذي يجد الطفل نفسه فيه اليوم إلى سلوكيات لا نفهمها ولا نستحسنها. والألعاب تُشبِع لديهم احتياجات نفسية لا تشبعها جوانب الحياة الأخرى.

ولكن هذه الألعاب لا تحقق الشعور بالرضا أو الحب

بالطبع لا نسرد كل ما سبق لنقول إنَّ ألعاب الفيديو هي بديلٌ جيد، بل العكس تماماً. فبينما تحاول الألعاب المُصمَّمة جيداً إشباع هذه الاحتياجات، لا يمكنها الاقتراب من شعور الرضا العميق الذي تمنحه لك الحياة الحقيقية والعلاقات الإنسانية الحقيقية.

فلا يوجد لعبة يمكنها منح الطفل الشعور بالتمكُّن الذي يحصل عليه من إتمام مهمة صعبة أو تعلُّم مهارة جديدة بمفرده ووفق رغبته. ولا يمكن أن تنافس لعبة Fortnite الابتهاج الناجم عن الشعور بالذاتية النابع من استكشاف الواقع، حيث يكون الطفل حراً في طرح الأسئلة وحلّ ألغاز العالم الحقيقي.

ولا يمكن لأي موقع من مواقع الشبكات الاجتماعية أن يعطي الطفل الشعور بالارتباط، والأمان، والدفء الذي يحصل عليه من شخصٍ بالغ يحبه بلا شرط أو قيد ويتقبَّله كما هو، مهما يكن، ويقتطع من وقته ليخبر الطفل عن هذه المشاعر.

ولا بد من مراقبة الأهل والشركات المصممة لأي أنماط سلوكية غير سوية

يعاني بعض الأطفال من اضطرابات اللعب، ولكن مثل هذه الاعتماديات (الحاجة للاعتماد على أطراف أخرى لإشباع الحاجات) عادةً ما تقترن بحالات كانت موجودة سابقاً، بما في ذلك مشكلات السيطرة على الانفعالات. هذا بالطبع لا يعفي الشركات من مسؤوليتها الأخلاقية للمساعدة في مشكلات اللاعبين. حان الوقت ليطبقوا سياسات للتعرُّف على هؤلاء اللاعبين ذوي الاضطرابات ومساعدتهم.

لكن بالنسبة للكثير من الأطفال، فإنَّ فهم الأبوين العميق للحقيقة القابعة خلف ما يحصل عليه الأطفال حقاً من هذه الألعاب، سيُمكِّنَهم من اتخاذ خطوات لمنح الأطفال المزيد مما يحتاجونه.

ويساعد الآباء أيضاً على إعداد عقولهم للتحدث بعقلانية مع الأطفال عن الإفراط في الاستخدام بدلاً من الاستسلام للهستيريا والهلع الأخلاقي الذي لطالما جرَّبه الآباء على الجيل السابق لناحية التوقف عن سماع موسيقى الروك آند رول، أو مشاهدة قناة MTV الموسيقية، أو اللعب بلعبة الكرة والدبابيس، أو قراءة الكتب المصورة.

فهي منفس عن الواقع والهدف هو تعليم الأطفال التحكم بالذات

إنَّ ألعاب الفيديو هي منفذ هذا الجيل، وبعض الأطفال يستخدمونها كوسيلة للهروب بنفس الطريقة التي يتبعها بعضنا مستخدمين أنواعنا الخاصة من أجهزة الهروب من الواقع كي ننفصل عن الواقع لبعض الوقت.

وبدلاً من تكرار أخطاء الأجيال السابقة بالأساليب التعسفية، دعونا نفهم المصدر النفسي للمشكلة. ففي النهاية، يجب أن يكون هدف الآباء هو أن يفعل أبناؤهم ما يفيدهم حتى إذا غابوا عن أنظارهم.

وبتعليم الأطفال عادات ذاتية-التنظيم، وتشجيع الألعاب التي يُسعى لتحقيق بعض الأهداف منها، ومساعدتهم على إيجاد بدائل مناسبة، يمكن للآباء مساعدة الأطفال في العثور على ما يبحثون عنه.

أظهر أنَّ لديك نقاط ضعف أيضاً وتخلَّ عن بعض السيطرة

ولكن إن كنت لا تزال قلقاً على صغارك، فكما تبين الدراسات، لا ضير بفترات معقولة من ألعاب الفيديو. ولكن يساعدك البحث عن أعراض الإفراط في الاستخدام، وفي الوقت نفسه بدء حوار مع أطفالك حول الحد الذي تعتبره إفراطاً، وتمكين الأطفال من التحكم في عاداتهم بأنفسهم.

أحد الاقتراحات هو أن تقتطع من وقتك لتشاهدهم وهم يلعبون، وتحاول أنت نفسك اللعب معهم. كن أكبر مُشجِّعيهم، ودع لهم المجال ليكونوا الخبراء في شيءٍ ما. وسيمنحهم تركك إياهم يقودونك في اللعبة ذلك الشعور بالتمكُّن الذي يتلهفون له، وفي الوقت نفسه تقوي ارتباطك بهم.

أظهر أنَّ لديك نقاط ضعف. وأرِهم أنَّك تعاني من الإفراط في استخدام التكنولوجيا أنت الآخر. حاول أن تترك لهم فرصة تحديد حدود ومقدار اللعب الملائم لهم وساعدهم على إيجاد طرق للالتزام بحد الوقت الذي وضعوه لأنفسهم بدلاً من أن تفرض عليهم المزيد من القواعد.

إذا رأى الأطفال أنَّ الآباء في صفهم وليسوا مجرد عقبات في سبيل تلبية احتياجاتهم، فإنَّ علاقة الخصومة السائدة ستبدأ في التغيُّر.

وعندما يرى الأطفال الآباء لا يحاولون منعهم من الاستمتاع، بل ويساعدونهم للحفاظ على الأشياء ضمن النطاق المرسوم وبالنسبة الصحيحة، فإنَّهم سيتحولون من أعداء إلى حلفاء.

مقالات ذات صله