غسيل الأموال: الجريمة الإلكترونية تتفوق على التكنولوجيا الحديثة

غسيل الأموال: الجريمة الإلكترونية تتفوق على التكنولوجيا الحديثة

السرية التي يوفرها المجال الافتراضي، والانتشار الواسع لاستعمال الويب، سرعت من تنامي الأعمال الإجرامية الإلكترونية في العديد من الدول؛ إذ يتزايد عدد المتعاطين لهذا النوع من الإجرام بشكل رهيب، هذه الظاهرة أصبحت تُغري الآلاف من هواة ومستعملي الإنترنت الباحثين عن المال السهل، وفي زمن الأزمة الاقتصادية أصبح المال النظيف صعب المنال، وهكذا أصبح التحايل لكسب المال يغري الكثيرين، وبالتالي ظهر المجرم الإلكتروني في شتى المجالات المرتبطة بالجريمة الإلكترونية. صحيفة «الجارديان» نشرت مُؤخرًا تقريرًا تفصيليًا عن الجريمة الإلكترونية وغسيل الأموال من إعداد الصحافية ماتا بوسبي.

لقاءات دولية لمكافحة الجريمة الإلكترونية

يُستهل التقرير بالإشارة إلى اجتماع عدد من الدول في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في فيينا، وذلك لمناقشة استجابات العدالة الجنائية لمنع الجريمة الإلكترونية ومكافحتها، التي تستخدم تكنولوجيا جديدة لتوليد ما يقرب من 1.5 تريليون دولار من العائدات سنويًا، مع زيادة مقدار ما يتم غسله من أموال بسرعة من خلال طرق رقمية متطورة يَصعب كشفها.

حيث قال يوري فيدوتوف، المدير العام لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة: «كلنا لنا مصلحة في وقف الجريمة الإلكترونية، هذه الأخيرة تخدم أيضًا العديد من الجرائم الأخرى، بداية من الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والإتجار بالمخدرات، والأسلحة النارية غير المشروعة والحياة البرية، إلى غسيل الأموال».

من رحلات الأشباح على «أوبر» إلى كتب الرَّطانة على «أمازون»

من الكتب الإلكترونية المزيفة التي تبلغ قيمتها ألفي جنيه إسترليني على موقع «أمازون» وقوائم مفبركة على «إير بي إن بي» إلى رحلات الأشباح على «أوبر» ونقود العملات على ألعاب الفيديو، حيث قطعت السوق السوداء للمخترعين الإلكترونيين شوطًا طويلًا متجاوزةً ما قدمته شخصية والتر وايت في سلسلة مسلسل «بريكنج باد».

يعمل مجرمو الإنترنت اليوم في مدار آخر على المحتالين البارزين بفضل هذه الطرق الجديدة وغير المتوقعة لغسل الأموال القذرة. ولأن الأساليب التقليدية لتتبع غسيل الأموال تعتمد بشكل كبير على مراقبة المعاملات المصرفية، فإنها تغادر السلطات بسبب الغبار.

يقول الدكتور مايكل ماكغواير، أستاذ علم الجريمة في جامعة ساري، ومؤلف دراسة جديدة حول الجريمة الإلكترونية: «إن متابعة الطرق المبتذلة التي يستخدم فيها مجرمو الإنترنت وسائل غسيل رقمية ممكنة هي واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الشرطة في الوقت الراهن».

يَذكر التقرير أن ما يقرب من 200 مليار دولار، و10% من المبلغ المقدر بقيمة 2 تريليون دولار سنويًا يتم غسلها اليوم، ومن المتوقع أن تتضاعف نسبة النقود الرقمية التي يتم غسلها رقميًا بحلول عام 2020؛ لأن الاقتصادات تصبح بلا نقد بشكل متزايد. يُضيف ماكجواير إنه: «في مواجهة مشهد سريع التطور من تقنيات غسيل المعلومات الرقمية ومجموعات الجرائم الإلكترونية الثرية بشكل متزايد، تجد وكالات الشرطة غير المموّلة والممولة بالموارد الكافية صعوبة في مضاهاة هؤلاء».

يُشار أن التوسع السريع في خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتجارة الإلكترونية وخدمات المحمول جعل من القيام بالأعمال وتحويل الأموال بشكل أسرع وأكثر سلاسة من أي وقت مضى، لكنها فتحت أيضًا البوّابات على الإنترنت لمجرمي الشبكة الإلكترونية الذين يجدون حاليًا طُرقًا لاستغلال المواقع والمنصات الشرعية في وسائلهم الخاصة، وبناءً على ذلك، أصبح غسيل المعاملات عُميًا ماليًا ضخمًا بالنسبة للسلطات.

وكتبت إيزابيل كامينسكي، مدونة في صحيفة فاينانشال تايمز، في مارس (آذار) 2017: «إن الارتفاع الكبير في الجرائم المالية الرقمية المصاحبة لنظم المدفوعات غير الاحتكارية التي تروج لها هذه التقنيات يشير إلى أن المجرمين ربما يبتكرون الحيل بسرعة كبيرة أكثر من أي وقت مضى.

وحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن المنتجات المدرجة بأسعار عالية بشكل مذهل على موقع «إي باي» هي معاملات حقيقية عند بيعها، ولكنها في الواقع طرق لغسل الأموال وإرسالها سرًا. وقد استخدم «تنظيم الدولة الإسلامية» هذه الخدعة البسيطة والحيوية لتحويل الأموال إلى نشطاء في الشرق الأوسط.

يُضيف التقرير ذاته أنه تم العثور على معاملات وهمية مماثلة في مكان آخر، حيث تُعرض كتب بها كلام غير مفهوم أو غير هادف على موقع «أمازون» بآلاف الدولارات، ويعتقد أنها تسهل عملية غسل الأموال، وهنالك عناوين كتب يتم الإعلان عنها تصل قيمتها أحيانًا حوالي ألفي دولار. يُذكر أن أحد المؤلفين، والذي اتصلت به سلطات الضرائب الأمريكية يزعم أن مبيعاته المزورة لكتبه الغامضة استخدمت لإرسال ما يقرب من 24 ألف دولار.

يحدث نفس الشيء من خلال «رحلات الأشباح» على أوبر، حيث يقبل السائقون المتوافقون طلبات الركوب من عملاء غسل الأموال بأسعار محددة سلفًا. هناك حتى دليل توضيحي على الإنترنت يشرح لك كيفية القيام بذلك.

بطاقات ائتمان مسروقة لشراء شقق

حتى على موقع «إير بي إن بي»، يستخدم المحتالون بطاقات ائتمان مسروقة لشراء شقق؛ وذلك لغسل أموالهم القذرة في تعاونهم مع إلزام مضيفي إير بي إن بي الذين يرسلون بعد ذلك نسبة من المبلغ.

وفي مكان آخر، استخدم بول مانافورت، رئيس حملة دونالد ترامب السابق، أموالًا مغسولة من حساب خارج البلاد في قبرص لشراء شقة مساحتها 2.85 مليون دولار في مانهاتن،جعله يستأجر الآلاف من خلال الموقع ذاته، على الرغم من أنه مخالف لشروط عقد الإيجار.

يُضيف التقرير أن ألعاب الفيديو بما في ذلك ألعاب الفيفا وألعاب كاونتر سترايك تبيع مواد داخل اللعبة تسمح للمستخدمين بالتقدم بسرعة أكبر خلال اللعبة. ويتم بيع هذه القطع للآلاف في أسواق الألعاب التي يقال عنها إنها «عمليات غسيل»، في حين أنه من الممكن أيضًا إرسال أموال افتراضية قابلة للتحويل إلى شركاء في الخارج.

يقول مايكل بيركلن، وهو محقق الطب الشرعي الرقمي المسؤول عن اصطياد المهاجمين الإلكترونيين: «إن غسيل الأموال الإلكتروني في مسار تصاعدي، ويرتفع بشكل كبير مع الاستخدام اليومي للإنترنت».

غالبًا ما تتم عمليات الدفع للعناصر على موقع إي باي من خلال باي بال، والتي كانت في السابق أداة صارمة لعمليات الجرائم الإلكترونية قبل صعود العملات المشفرة، مثل «زي كاش»، و»مونيرو»، التي تقدم لمجهولي الهوية، ولكنها تظل شائعة لدى المجرمين.

يقول الدكتور ماكجواير: «تعد عمليات تبييض الأموال الصغرى الطريقة الأكثر وضوحًا لتخطي حدود الدفع في باي بال. يمكنك فقط تشغيل آلاف الدفعات من خلال حسابات مختلفة، حيث يكاد يكون من المستحيل اكتشافها «لكن شركة باي بال وحدها عالجت مبلغ 49 مليار دولار في الربع الأول من عام 2018، وكانت تحقق في كل مرة مدى فعالية برنامجها لمكافحة غسل الأموال».

الجريمة الإلكترونية تتفوق على التكنولوجيا الحديثة

العالم يتغير بشكل مستمر بعيدًا عن الأنظمة المصرفية التقليدية المعهودة وذلك بفضل النمو السريع لخيارات الدفع البديلة، مثل «علي باي»، و«وي تشات باي»، و«سيركل باي» و«إم بيزا»، والتي تعد الآن المنصة الرقمية الرائدة في أفريقيا، ومع ازدياد شعبية أنظمة الدفع المتنقلة هذه، أصبحت أيضًا أداة لا تتجزأ في تطوير الجريمة الإلكترونية.

وقد حذرت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرًا من أن أنظمة الدفع عبر الهاتف المتنقل تكون أكثر عرضة لغسيل الأموال، والتي تمثل أكثر من 700 مليار دولار على مستوى العالم في عام 2017.

يواصل ماكجواير قائلًا: «إن المنظمين الماليين يضعون رؤوسهم في أيديهم على هذا النوع من الأشياء». «يشبه الأمر تقريبًا كيفية استخدام النظام البريدي كجزء من اقتصاد الجريمة الإلكترونية، فلا يمكنك ببساطة فحص كل حزمة على حدة. ويختم: «إذا كانت هناك رغبة حقيقية للسيطرة على الجريمة الإلكترونية، فسيكون هناك تغيير في العقلية بشأن كيفية التعامل مع المدفوعات الصغيرة ومعالجتها، أو أن يتم قبولها كحقيقة اليوم».

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *