الأخبار الزائفة .. “قرأتها على واتس اب” !

الأخبار الزائفة .. “قرأتها على واتس اب” !

تستغرب العشرينية نهاد عبدالله من والدتها التي تنتظرها دوما لتعرض عليها قائمة من المحظورات والنصائح والمعلومات “الغريبة” والبعيدة عن المنطق، على حد وصفها، وعندما تسألها عن مصدر هذه المعلومات ترد عليها “يا بنتي وصلتني على واتس اب”!

تقول نهاد إن والدتها للأسف تتأثر كثيرا وتصدق كل ما يصلها على واتس أب من قبل “جروبات” للأقارب والأصدقاء، وتتبنى هذه الروايات وتبدأ بإقناع الآخرين بها، بدون الاستناد على أسس علمية صحيحة، فقط يتم تداولها وانتشارها بسرعة هائلة على اعتبار أنها من مصادر موثوقة للأخبار.

وتتنوع تلك المعلومات سواء كانت علمية أو دينية، أو تحذيرات أو أخبارا محلية يتم “اختراعها” عن حوادث خطف وإيذاء أو انتحار أو أخبارا دولية معظمها لا تمت للحقيقة بصلة، وغيرها الكثير؛ إذ تصل لأحدهم وبدوره يعممها على الجميع، وهكذا حتى تجد صداها وتوزع على أكبر نطاق.

والدة نهاد ليست وحدها التي تعاني من هذه المشكلة، كذلك الحال لدى إبراهيم علي الذي يجلس يومياً مع شقيقه الذي يكبره عمراً ليبدأ بمناقشته بقضايا معينة محلية أو عربية أو عالمية، وأحياناً يسرد عليه قصصا لا أساس لها من الصحة وغير منطقية على الإطلاق. وعند إخباره أنها معلومات خاطئة لا يصدقه، ويحاول أن يثبت ما يقوله له عن طريق الصور والفيديوهات التي وصلته على “واتس اب”.

ويستغرب إبراهيم من شقيقه المتعلم والمثقف كيف يصدق كل ما يصله على “واتس أب” من صور وفيديوهات ومعلومات مغلوطة، ويتناقش بها على أنها حقيقة ويتداولها.

“قرأته على واتس أب”.. هذا هو حال كثير من العائلات والأشخاص الذين باتوا يصدقون أن كل ما يصلهم عبر هذا التطبيق كأنها “مسلمات” بدون التأكد من المرجعية أو الاقتناع بأن أي شخص بالعالم لديه التطبيق قادر على كتابة ما يريد ونشره خلال ساعات وتداوله بسرعة هائلة.

ويبلغ عدد مستخدمي تطبيق “واتساب” في الأردن ما يزيد على 6 ملايين حساب. وكان قد كشف مارك زوكربرغ المدير التنفيذي لشركة “فيسبوك” التي تملك خدمة التواصل “واتساب”، أن عدد مستخدمي “واتساب” وصل حاليا إلى 1.5 مليار مستخدم للخدمة شهريا التي تشهد إرسال 60 مليار رسالة يوميا، بحسب ما أورده موقع “تك كرانش”.

ويذهب خبير أمن المعلومات والاتصال الرقمي، الدكتور عمران سالم، الى أن كم تدفق المعلومات إلى أدمغتنا في العصر الرقمي تضاعف بشكل كبير، لدرجة أننا لم نعد نستطيع التفريق بين الغث والسمين للأسف؛ حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بأطيافها وأشكالها كافة أداة لنشر المعلومات والأخبار سواء الملفقة منها أو الصحيحة نظرا لسهولة ذلك.

وهذه المشكلة، وفق سالم، أوقعت الكثيرين في فخ المعلومات المغلوطة أحيانا بل وترويجها من غير التحقق من صحتها بغض النظر أكانت علمية أو دينية أو إخبارية على شكل نص منقول أو صورة “مفبركة” أو فيديو قديم تم تصويره في مناسبة ما وتم نشره على أنه مرتبط بمناسبة أخرى.

غير أن الغريب في الأمر أن أدوات التحقق من صحة المعلومات متوفرة، ولكن هناك شح في تعلمها أو الوصول إليها. وينطبق ذلك أحيانا على معلمين للأسف، فأحيانا يحضر الأبناء بمعلومات يقولها المعلم أو يشرحها، هي في الأصل وردت على منصات التواصل الاجتماعي وفي أوقات كثيرة تكون إشاعة أو معلومة ليس لها أصل علمي.

ويعتبر عمران أن المشكلة الكبرى أيضاً في المشاهير على منصات التواصل الاجتماعي أو من له مآرب أخرى تجارية لتسويق صفحته العلمية أو الإخبارية أو الرياضية أو الصحية، فهؤلاء يعشقون الأخبار والمعلومات “المفبركة” لأنها بالنسبة لهم أفضل طريقة من أجل الحصول على أكبر عدد ممكن من المعجبين، خصوصاً وأن هؤلاء شهرتهم تعتمد على مثل هذه الأخبار.

أما بالنسبة للأشخاص العاديين، فهم ينشرون الأخبار والمعلومات قبل إكمال قراءتها، وبالتالي نقلها لمواقع التواصل الاجتماعي وخاصة “فيسبوك” وتداولها على “واتس أب”، بل ويبدأ الكثيرون بالتفاعل معها ويصدقونها على أنها حقائق لا لبس فيها ولا غموض.

لذلك ينتشر الموضوع ذاته ويتكرر مرات عدة في المجموعة الواحدة للأسف، وأحيانا ينوه البعض إلى أن هذه المعلومة غير صحيحة مع الأدلة، وترى البعض ينشرها من دون أن يقرأ ما ورد قبل ذلك.

ويعتبر عمران أن هذه المشكلة تنقسم إلى قسمين رئيسيين؛ أولهما الأخبار والمعلومات المغلوطة أو المترجمة بشكل خاطئ؛ حيث يتداولها الناس كحقائق من غير التأكد من صحتها، أما النوع الآخر فهو الأشد فتكا في المجتمعات الرقمية وهي الأخبار المضللة والمفبركة والإشاعات التي تصاغ بمهارة عالية وضمن فرق متخصصة في هذا الموضوع لنشر الأكاذيب ضمن حرب ممنهجة؛ حيث أصبح عامة الناس ومثقفوهم أحيانا، الأداة في نقل هذه الأخبار والإشاعات ونشرها للأسف.

وما يساعد على نشر هذه المشكلة “الفبركة والإشاعات” هو غياب مفهوم النقد عن العقل العربي للأسف، والخوف في بعض الأحيان أن نرد قصة أو حديثا أو معلومة علمية تنافي العقل، لأنها جاءت من فلان، أو من الموقع الفلاني “الموثوق”، وهنا لابد من التنبه لأمر مهم جداً، أن الصفحات الموثقة بالعلامة الزرقاء لا تعني بالضرورة أنها تملك المعلومة الصحيحة، هذه العلامة تدل على هوية الشخص أنه هو وليس على جودة المحتوى، كما يقول عمران.

ويلفت عمران إلى خطورة الأخبار الكاذبة والإشاعات والمعلومات الخاطئة، وما لها من آثار مدمرة على ثقافتنا وقيمنا ومجتمعنا، لذلك نحتاج في إعلامنا ومدارسنا وجامعاتنا لمفهوم التحقق من صحة المعلومة، وهذه الأدوات متوفرة وبكثرة، لكنها تحتاج إلى قرار من جهات متخصصة لتدريب الناس عليها. وفي أوروبا، على سبيل المثال، أعلنت المفوضية الأوروبية قبل عام تقريبا تشكيل فريق من الخبراء المختصين من أكاديميين ومنظمات المجتمع المدني وممثلين عن وسائل الإعلام لمحاربة الأخبار الكاذبة على شبكة الانترنت.

وفي ذلك، يذهب الاختصاصي النفسي والتربوي، الدكتور موسى مطارنة، الى أن “قلة الوعي” هي السبب في ذلك، لافتا إلى أن “واتس اب” ومواقع التواصل الاجتماعي في كثير من أخبارها معلومات غير موثقة.

إلى ذلك، لا يمكن اعتبار تلك المصادر مصدرا موثقا علميا، فهي نتاج أي شخص يمكن أن يبث معلومة ما تخطر على باله، فالإنسان يجب أن يكون على وعي ثقافي وعلمي ومدرك لما يحدث، ويرجع لأصل الأمور وللأدوات العلمية الموثقة، بحسب مطارنة.

ويضيف “أن كل معلومة أو فيديو أو مقالة تصل على “واتساب”، يجب عدم الأخذ بها مطلقاً لأن ليس لها أي مرجعية، الى جانب ضرورة إخضاع الموضوع للمنطق العقلي، فأحياناً قد تصل للشخص أمور لا العقل ولا المنطق يصدقها، ومع ذلك يتم الأخذ بها ونشرها وتداولها”.

ويشير مطارنة الى أن المعلومة الحقيقية تؤخذ من مصدرها فقط، لافتاً الى أنه لا بد أن يكون لدى الإنسان وعي وثقافة وإدراك أن هذه المواقع والتطبيقات يمتلكها كل شخص، بالتالي كل واحد من هؤلاء قادر على خلق معلومة ونشرها، فيما يقوم الشخص المتلقي بنشرها على الجروبات الأخرى.

المصدر: الغد الأردني

مقالات ذات صله